من ضفاف بردى إلى طريق المطار.. أسرار 72 عاماً من ذاكرة معرض دمشق الدولي 

 

في صيف عام 1954، أغلقت العاصمة السورية شوارعها الممتدة من ساحة المرجة حتى ضفاف نهر بردى، معلنةً ميلاد أول وأكبر تظاهرة اقتصادية وثقافية وسياحية في الشرق الأوسط.

واليوم، تُحيي دمشق هذا التقليد التاريخي العريق بانطلاق أعمال الدورة 63 لمعرض دمشق الدولي تحت شعار “سوريا تشرق من جديد”، في محطة مفصلية تتجاوز البعد الاحتفالي لتجسيد قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي والانفتاح المباشر على حركة التجارة الاستثمارية العالمية.

من ضفاف بردى إلى طريق المطار.. حكاية المكان والتحولات الصناعية

لم يكن المعرض عند اتخاذ قرار إقامته عام 1953 في عهد، الرئيس أديب الشيشكلي، مجرد مساحة للعرض التجاري، بل كان مشروعاً استراتيجياً تبلور ونفذ فعلياً في أيلول 1954 حين افتتح، الرئيس هاشم الأتاسي، الدورة الأولى على مساحة 250 ألف متر مربع بجوار التكية السليمانية.

هناك ارتفع القوس الشهير المصمم على شكل قوس قزح على شارع الرئيس شكري القوتلي، ليصل ضفتي بردى عند كازينو دمشق الدولي، وتشخص أمامه أعمدة مرتفعة تحمل أعلام الدول وتحول الشارع بكامله إلى كرنفال مفتوح.

استقطبت تلك الدورة التأسيسية أكثر من مليون زائر بمشاركة 26 دولة، وشهدت حضوراً لأبرز الصروح الصناعية الوطنية التي كانت تعكس قوة الاقتصاد السوري المتماسك وثبات الليرة السورية أمام الدولار.

تقدمت هذه المشاركات “الشركة الخماسية” التي تأسست عام 1946 برأسمال بلغ 15 مليون ليرة سورية، وكانت معلماً اقتصادياً شاملاً يضم أكثر من 4735 عاملاً وموظفاً، وتضم معامل للزيوت والغزل والنسيج ومحالج قطن في حماة وإدلب.

تميزت الخماسية بتوفير محطة توليد كهرباء خاصة بها، وكانت أول من أدخل المكيفات الحديثة إلى الصالات مع تقديم طبابة مجانية وتوزيع ربع أرباحها على العمال، حتى أدرجت زيارتها على جدول كبار الضيوف والملوك مثل، الملك سعود والملك حسين.

ومع توسع النشاط الاقتصادي وتزايد الازدحام المروري داخل دمشق، انتقل المعرض في أيلول 2003 بالتزامن مع عيده الذهبي إلى موقعه الحالي على طريق المطار، ممتداً على مساحة شاسعة وفق أحدث المعايير العالمية، ليكون امتداداً لرمزية “السيف الدمشقي”، الذي نصبه الفنانون السوريون في ساحة الأمويين مطلع الستينيات بواجهتيه الملونتين اللتين حملتا لوحات بأعلام الدول المشاركة.

عندما التقى الفن والتكنولوجيا بالسياسة

تجاوز معرض دمشق الدولي دوره الاقتصادي ليغدو عاصمة للثقافة والدبلوماسية والابتكار في المنطقة. ففي الخمسينيات، تحولت أرض المعرض إلى ساحة للمنافسة العالمية بين القطبين وشتى الشعوب، إذ بهرت الولايات المتحدة الجمهور السوري عام 1954 بتقنية السينما البانورامية “سينراما” عبر ثلاث شاشات ضخمة ومولدات شركة “وارنر بروس” التي نقلت على طائرات عسكرية.

وفي المقابل، شيد الاتحاد السوفياتي جناحاً ضخماً امتد على مساحة 40 ألف متر مربع بتكلفة نصف مليون دولار ليعرض سيارات “التشايكا” والأسلحة والتبغ والملابس.

واستعرضت اليابان ثقافتها عبر عروض حية لمصارعي “السومو”، بينما انفرد الجناح السعودي بعرض ستارة باب الكعبة المشرفة وحزام كسوتها، وقدم البريطانيون بسكويت الفراولة والموز للأطفال.

ولم تتوقف القصة عند هذا الحد، بل ارتبط المعرض في دورته الثانية عام 1955، بافتتاح أول مهرجان سينمائي دولي في الشرق الأوسط متقدماً على كافة المهرجانات الإقليمية، حيث شهدت دورة 1956 مشاركة 21 فيلماً طويلاً و300 فيلم قصير.

وعلى خشبة مسرح المعرض، ولدت أغلى الذكريات الفنية، بداية من العرض الأول لأوبرا عايدة عام 1954، وصولاً إلى إطلالات كوكب الشرق أم كلثوم وتجوالها الشهير، برفقة الفنان أنور البابا، بشخصية “أم كامل”، مروراً بعبد الحليم حافظ ووديع الصافي ووردة الجزائرية.

أما السيدة فيروز، فقد صنعت مع الرحابنة تاريخاً استثنائياً منذ أولى حفلاتها عام 1960، إذ أضحت أغنياتها التي صُممت للمحفل الدمشقي مثل “سائليني يا شام” و”قرأت مجدك” و”يا ربا” طقساً ثابتاً يُفتتح به المعرض وتبث أغانيها عند المغيب كل عام، يرافق ذلك تقليد سنوي لإصدار طوابع بريدية تذكارية وبطاقات يانصيب خاصة حملت رسومات تراثية وزراعية أصبحت جزءاً من الذاكرة البصرية للسوريين.

الدورة 63.. أرقام قياسية ودلالات الاستثمار

تكتسب الدورة الحالية التي تنطلق اليوم أهمية استثنائية بالنظر إلى حجم المشاركة الدولية غير المسبوق والمساحات المخصصة بمدينة المعارض الجديدة. يمتد الموقع على مساحة إجمالية تصل إلى 1.2 مليون متر مربع، مع تخصيص صالة رجال أعمال ولقاءات على مساحة 600 متر مربع لتسهيل عقد الاتفاقيات وتحويل الفرص الاقتصادية إلى عقود تنفيذية مباشرة.

وتسجل هذه الدورة حضوراً تاريخياً يتجاوز 1000 جهة مشاركة تشمل كافة الوزارات والهيئات الحكومية والنقابات والشركات الوطنية، إلى جانب تمثيل دولي واسع من نحو 60 دولة من آسيا وأوروبا وأفريقيا والمنطقة العربية، من بينها 25 دولة ممثلة عبر غرفة وسط أوروبا.

وتبرز في هذه الدورة مشاركات استثنائية، تتصدرها جمهورية ألمانيا الاتحادية كضيف شرف بجناح رسمي يضم 13 عارضاً وبرنامج تعاون لقطاع المعارض، إلى جانب مشاركة رسمية لتركيا بتكليف من وزارة التجارة، ومشاركة رسمية للمملكة العربية السعودية ضمن برنامج هيئة تنمية الصادرات.

وتتنوع الأجنحة المعروضة بين الصناعات الغذائية والكيميائية والزراعية والتجارية، إضافة إلى المساحات المخصصة للحرف التقليدية والمنتجات الريفية القادمة من المحافظات.

تثبت انطلاقة اليوم أن معرض دمشق الدولي يظل جسراً ممتداً بين عراقة التأسيس التليد في منتصف القرن الماضي، وآفاق التعافي الاقتصادي الواعد معيداً لدمشق موقعها الطبيعي كملتقى للتجارة والثقافة والانفتاح على العالم.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار