علي الجاسم
في زمن المنصات الرقمية لم تعد الكلمة مجرد وسيلة تعبير عن رأي أو نقل المعلومة، فيمكن لعبارة واحدة أن تصل إلى آلاف الأشخاص خلال بضع دقائق، وأن تتحول من رأي فردي إلى موجة من التحريض والتخوين.
ومع اتساع مساحة التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يبرز “خطاب الكراهية”، كأحد أكبر التحديات التي تهدد السلم الأهلي، خصوصاً في المجتمعات التي عاشت سنوات من الحروب والثورات.
ولا يقتصر الخطر في هذا الخطاب على العبارات المباشرة التي تدعو إلى العنف أو العداء، بل قد تبدأ من اتهام بسيط، أو وصف مهين، أو تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد منها، قبل أن تتطور تدريجياً إلى خطاب يحرض على القتل والانتقام.
ما هو خطاب الكراهية؟
لا يوجد أي تعريف قانوني لخطاب الكراهية، إلا أن الأمم المتحدة تُعرف بأنه: “أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية، بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية، وبعبارة أخرى، على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو العرق أو اللون أو الأصل أو نوع الجنس أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية”.
ويشير الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش”، إلى أن خطاب الكراهية هو “الخطوة الأولى على طريق تجريد الإنسان من إنسانيته”، ويُستخدم كأداة لبث الفرقة واستهداف مجموعات محددة مثل النساء، المهاجرين، اللاجئين، الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويبرز هنا تحد أساسي يتمثل في التمييز بين خطاب الكراهية وحرية التعبير. فالنقد السياسي أو الاجتماعي، حتى وإن كان حاداً، لا يعد دائماً خطاب كراهية، كما أن الاختلاف في الرأي لا يعني التحريض على الآخر.
لكن الخطاب يصبح أكثر خطورة عندما ينتقل من نقد الأفكار أو الأفعال إلى استهداف الأشخاص بسبب انتمائهم، أو عندما يتضمن تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف.
منصات التواصل.. انتشار أسرع وتأثير أوسع
أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولاً جذرياً في طريقة إنتاج الأخبار والمعلومات وتلقيها، وأصبح بإمكان أي شخص يستخدمها نشر معلومة أو صورة أو مقطع مصور والوصول به إلى جمهور واسع دون المرور بمراحل التحقق والتحرير والصياغة الصحيحة التي تخضع لها المؤسسات الإعلامية التقليدية.
ويزداد خطر “خطاب الكراهية”، عندما يترافق مع المعلومات المضللة إذ يمكن لمقطع قديم أو صورة من حدث ما أو تصريح مجتزأ أن يستخدم لتأجيج مشاعر الغضب تجاه جماعة أو منطقة أو مكون اجتماعي.
وفي البيئات المتوترة، لا يحتاج المحتوى التحريضي إلى وقت طويل كي ينتشر، خصوصاً عندما يعتمد على العاطفة بدلاً من الاعتماد على الوقائع.
ويبرز ذلك بصورة واضحة في حالة السوريين في تركيا، حيث وثقت منظمات حقوقية تصاعد الخطاب المعادي للاجئين، بما في ذلك استخدام بعض الأحزاب والقوى السياسية قضية اللاجئين في خطابها السياسي، وما رافق ذلك من تزايد حوادث العنف المعادية للسوريين.
من المسؤول عن خطاب الكراهية؟
المسؤولية لا تقع على طرف واحد، فالمستخدم الذي يعيد نشر محتوى تحريضياً دون تحقق يساهم في انتشاره باعتماده على “النسخ واللصق” ، والمؤثر الذي يستخدم جمهوره للتحريض يزيد تأثيره.
في حين، تتميز قضية خطاب الكراهية في سوريا بأهمية خاصة، حيث خلفت سنوات الثورة آثاراً عميقة على المجتمع، وانتجت انقسامات سياسية واجتماعية ومناطقية وطائفية وعشائرية لا تزال آثارها حاضرة في الخطاب العام.
وفي مثل هذه البيئة، يمكن لكلمة واحدة أن تفجر الغضب العام، خصوصاً عندما تستخدم عبارات تعمم الاتهام على منطقة أو مؤسسة حكومية أو جماعة دينية بأكملها.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تترافق الأحداث الأمنية والسياسية مع سيل من الأخبار غير الموثقة (نسخ ولصق)، إذ يجد الجمهور نفسه أمام روايات متضاربة، بعضها قائم على معلومات حقيقية، وبعضها الآخر على إشاعات أو مقاطع قديمة أو محتوى جرى اقتطاعه، وهنا يصبح التحقق من المعلومة مسؤولية تتجاوز الصحفي لتشمل كل مستخدم يساهم في إعادة نشرها.
الصحفي أمام تحد المهنية
تكمن مسؤولية الصحفي عندما يتعلق الأمر بأحداث حساسة أو ذات بعد طائفي أو مناطقي أو سياسي، فالعنوان المثير قد يجذب القراء، لكنه قد يحمل في الوقت نفسه تحريض أو اتهام مبطن، والصورة قد تكون حقيقية، لكنها قد تُستخدم في سياق مختلف عن الحدث الذي التقطت خلاله، لذلك، لا تقتصر المهنية الصحفية على نقل المعلومة، وإنما تشمل أيضاً طريقة تقديمها.
فالصحفي مطالب بأن يسأل: هل المعلومة موثقة؟ هل المصطلح دقيق؟ هل العنوان يعكس مضمون الخبر؟ هل أقدم الاتهام باعتباره حقيقة قبل التحقق منه؟ وهل يمكن أن يؤدي نشر هذا المحتوى إلى استهداف جماعة كاملة؟
المواجهة تبدأ من الكلمة
لا تعني مواجهة خطاب الكراهية منع النقد أو قمع للحريات، بل تعني وضع حدود وضوابط واضحة بين حرية التعبير وبين التحريض على العداء، وتحتاج المجتمعات التي خرجت من الحروب إلى إعلام يساهم في ترميم الثقة بدل تعميق الانقسام، وإلى خطاب عام يضع المسؤولية على مرتكب الفعل لا على هويته، ويعتمد على الدلائل بدل الشائعات، وعلى النقد البناء بدل التحريض.
وفي سوريا فإن مسؤولية الإعلام أكثر حساسية، فالكلمة قد تكون أداة لكشف الحقيقة والمطالبة بالعدالة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى شرارة صراع إذا خرجت من إطار المهنية إلى التحريض والتعميم.
وفي النهاية، فإن مواجهة خطاب الكراهية لا تبدأ بحذف المنشورات من المنصات فقط، بل تبدأ من طريقة إيصال الفكرة الصحيحة للمجتمع، ومن قدرة الإعلام على تقديم الحقيقة دون تحريض، والنقد دون إهانة، والمساءلة دون تعميم، في زمن تنتشر فيه الكلمة خلال دقائق تصبح مسؤولية من يكتبها وينشرها أكبر من أي وقت مضى.
#صحيفة_ الفداء