الفداء _ أحمدالعلي
يواصل الاحتلال الإسرائيلي عملياته العسكرية وتحركاته الميدانية في جنوب سوريا، مع تصاعد التوغلات في محافظتي القنيطرة ودرعا، وعمليات التفتيش والاختطاف وتجريف الأراضي وإقامة حواجز وبوابات عزل بين القرى، وصولاً إلى تحليق الطائرات المسيرة، ما يثير تساؤلات بشأن أهدافه في المنطقة.
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة إدلب، عامر العمر، خلال حديثه مع صحيفة الفداء، أن أهداف التوغلات الإسرائيلية حسب مزاعمها في جنوب سوريا متعددة. يقتصر على حماية حدودها ومنع تشكل تهديدات عسكرية قرب الجولان المحتل، إلا أن نمط التحرك الميداني يتجاوز الاحتياطات الحدودية المؤقتة.
فالقوات الإسرائيلية دخلت المنطقة العازلة، وأقامت نقاطاً عسكرية، ثم وسعت عملياتها إلى قرى في القنيطرة وريف درعا الغربي، مع إقامة حواجز وتنفيذ اعتقالات وتفتيش للمنازل وتجريف للأراضي. وقد وصفت الأمم المتحدة هذه الأنشطة بأنها انتهاك مستمر لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وأضاف العمر أن هذا السلوك يشير إلى محاولة بناء حزام أمني بحكم الأمر الواقع، يمنح إسرائيل عمقاً ميدانياً وقدرة على مراقبة الطرق والتجمعات السكانية، ويحد من انتشار مؤسسات الدولة السورية في المنطقة.
كما تستخدم إسرائيل وجودها ورقة ضغط في أي مفاوضات أمنية مقبلة. وقد تحدث نتنياهو سابقاً عن منطقة منزوعة السلاح تمتد من جنوب دمشق باتجاه جبل الشيخ، ما يوضح أن التصور الإسرائيلي يتجاوز حدود المنطقة العازلة المعروفة.
وبين العمر أن عمليات التجريف وإغلاق الطرق ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم تؤدي عملياً إلى إضعاف الوجود السكاني في الشريط الحدودي، وحرمان الأهالي من الزراعة والرعي والمياه، وتقييد حركتهم، ما يجعل الاستمرار في القرى أكثر صعوبة.
ومع مرور الوقت، قد يتحول الضغط الاقتصادي والأمني إلى نزوح تدريجي، فتتراجع الكثافة السكانية وتصبح السيطرة على الأرض أسهل. وقد وثقت تقارير حديثة تعذر وصول مزارعين في القنيطرة إلى محاصيلهم وأراضيهم بسبب البوابات والأسلاك والإغلاقات.
وأوضح أن لدى سوريا مجموعة من الخيارات العملية بعيداً عن المواجهة العسكرية. تبدأ هذه الخيارات بتوثيق كل توغل واعتقال وعملية تجريف وفق خرائط وصور وأسماء ملاك الأراضي وقيمة الأضرار، ثم توظيف الملف في مجلس الأمن والأمم المتحدة وبعثة “الأندوف”.
كما تحتاج دمشق إلى تحرك دبلوماسي منظم مع الدول العربية والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا والدول المؤثرة، بهدف العودة إلى خطوط اتفاق 1974، وتعزيز انتشار قوات الأمم المتحدة، ووضع جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي.
كما يمكن للمفاوضات الأمنية، بحسب العمر، أن تؤدي دوراً مفيداً إذا قامت على انسحاب واضح، وضمانات متبادلة، وآلية مراقبة دولية، ومنع الاعتداءات والاعتقالات.
وقد أكدت دمشق أن أولوياتها تشمل وقف الغارات والتوغلات واستخدام الأجواء السورية، وأن أي تفاهم يجب أن ينهي الاحتلال الجديد ولا يحوله إلى وضع دائم.
ويوازي التحرك الخارجي عمل داخلي لدعم سكان الجنوب، من خلال تعويض المزارعين، وتأمين الطرق والمياه والخدمات، وتثبيت الملكيات العقارية، وتسويق المحاصيل، وتوفير حضور مدني وإداري مستمر للدولة. إن بقاء السكان في أراضيهم يمثل عنصراً أساسياً في حماية السيادة ومنع تحول القيود الميدانية إلى واقع دائم.
واختتم أستاذ العلوم السياسية في جامعة إدلب تصريحاته بأن توغلات الاحتلال الإسرائيلي تؤثر في الاستثمار والتعافي لأنها ترفع مستوى المخاطر السياسية والأمنية، وتزيد تكاليف التأمين والنقل، وتخلق غموضاً حول ملكية الأراضي وإمكان الوصول إليها.
ويتضرر الجنوب مباشرة في الزراعة والطاقة والسياحة والبنية التحتية، بينما يمتد الأثر إلى صورة البيئة الاستثمارية السورية عموماً. فالمستثمر ينظر إلى استقرار الدولة وقدرتها على حماية الأصول والعقود والطرق، واستمرار التوغلات يدفعه إلى التأجيل أو المطالبة بضمانات أعلى.
ومنذ حوالي أسبوع، أعربت سوريا عن إدانتها الشديدة لاستمرار توغلات الاحتلال الإسرائيلي وتصاعدها في محافظة القنيطرة وريف محافظة درعا.
وأكدت وزارة الخارجية والمغتربين، في بيان لها، أن التوغلات انتهاك صارخ لسيادة الجمهورية العربية السورية وسلامة أراضيها، وما يشكله ذلك من تهديد لأمن المواطنين وسلامتهم.
كما شددت على أن استمرار هذه الانتهاكات يقوض فرص تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة عامة وسوريا خاصة، ويعرقل جهود إعادة الإعمار والتعافي.
ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته لوضع حد لهذه الانتهاكات وإلزام الاحتلال الإسرائيلي بالامتثال للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما يسهم في تجنيب المنطقة مزيداً من التوتر وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الأمن والاستقرار المستدامين.
#صحيفة_الفداء