الفداء
إتلاف 175 صفيحة جبن في حماة بعد ثبوت احتوائها على مادة الفورمالين يكشف جانباً خطيراً من ممارسات الغش الغذائي، في وقت يجد فيه المستهلك السوري نفسه أمام منتجات متفاوتة الأسعار والجودة، وسط ارتفاع تكاليف إنتاج الألبان والأجبان وتراجع القدرة الشرائية.
وتكشف الواقعة أن الغش لم يعد مقتصراً على التلاعب بنسبة الدسم أو إضافة النشاء لزيادة كثافة المنتجات، بل وصل في بعض الحالات إلى استخدام مواد كيميائية محظورة في الغذاء، ما يحول المخالفة من قضية تجارية إلى تهديد مباشر للصحة العامة.
الفورمالين والنشاء.. غش متفاوت الخطورة
يعد الفورمالين، وهو محلول يحتوي على الفورمالديهايد، مادة كيميائية لا يجوز استخدامها في تصنيع الأغذية. ومن الناحية الطبية، فإن ابتلاعه قد يسبب تهيجاً وحروقاً في الفم والمريء والمعدة، وألماً شديداً في البطن، وقيئاً واضطراباً في الوعي، وقد يؤدي في حالات التسمم الكبيرة إلى أذية الكبد والكلى واضطراب التنفس والوفاة.
كما أن التعرض المتكرر للفورمالديهايد يرتبط بمخاطر صحية مزمنة، حيث صنفته الوكالة الدولية لأبحاث السرطان مادة مسرطنة للإنسان عند التعرض المستمر بتركيزات مرتفعة.
وتختلف شدة الأعراض بحسب تركيز المادة والكمية المتناولة وعمر المصاب، حيث يُعتبر وجوده في الغذاء استخداماً لمادة سامة ومحظورة يعرّض المستهلك لتسمم حاد.
وعند الاشتباه بتناول منتج ملوث، ينبغي التوجه فوراً إلى أقرب مركز إسعاف دون محاولة إحداث القيء، مع الاحتفاظ بعبوة المنتج إن أمكن.
وفي المقابل، يستخدم بعض المنتجين النشاء لزيادة كثافة اللبن واللبنة وتعويض نقص المواد الصلبة، أو يلجأون إلى سحب الدسم الحيواني واستبداله بدهون نباتية دون الإفصاح عن ذلك، ما يخفض القيمة الغذائية للمنتج ويجعله مخالفاً للمواصفات، دون أن يحمل الخطر السمي المباشر للفورمالين.
ونظراً لعدم قدرة المستهلك على اكتشاف هذه المواد بالعين المجردة، تظل التحاليل المخبرية الوسيلة الأساسية لحماية الأسواق.
حسابات الكلفة بين الحليب والتصنيع
تختلف كمية الحليب اللازمة لإنتاج كيلوغرام واحد من الجبن بحسب النوع ونسبة الرطوبة والتصنيع، إذ تشير المعدلات الفنية إلى أن كيلو الجبن الطازج يحتاج نحو 5.3 ليترات من الحليب، بينما يستلزم كيلو الجبن الطري زهاء 8 ليترات، وترتفع النسبة لتصل إلى 9.5 ليترات لجبن الشيدر و9.8 ليترات للموزاريلا.
وهذا يعني أن تصنيع كيلو الجبن الطري يتطلب ضرب سعر ليتر الحليب الخام بثمانية أمثال، وذلك قبل حساب تكاليف الملح والمنفحة وأجور العمال والطاقة والمازوت والتعبئة والنقل والتبريد والفاقد الإنتاجي.
وبالتالي، فإن عرض الجبن للبيع بسعر يقل كثيراً عن كلفة المواد الأولية والتصنيع يستدعي التثبت من مكوناته، دون أن يعدّ وحده دليلاً قاطعاً على الغش باختلاف أساليب المردود.
المنتج الطبيعي والرقابة المخبرية
تكمن الأزمة الاقتصادية في تحمل المنتج الطبيعي كلفة الحليب الخام والمستلزمات التشغيلية كاملة، بينما يخفض المنتِج المخالف تكاليفه باستبدال المكونات أو التلاعب بالتركيب، ما يخلق منافسة غير عادلة تضر بالمعامل الملتزمة، وتدفع المستهلك تحت ضغط الأسعار لشراء منتجات مجهولة الجودة قد تحمل أعباءً صحية ومادية بالغة.
وتفرض واقعة حماة توسيع الرقابة على كامل سلاسل التوريد من الحليب الخام إلى المنتج النهائي، عبر إجراء تحاليل دورية للكشف عن الفورمالديهايد والنشاء وتحديد نسب الدسم والبروتين.
كما تبرز الحاجة لتوفير مخابر متنقلة ترافق الدوريات التموينية وتسريع صدور النتائج وتتبع المنتجات المخالفة لسحبها من الأسواق دون الاكتفاء بإتلاف المضبوطات، لكون القضية باتت تمس الأمن الغذائي والصحة العامة بشكل مباشر.
#صحيفة_الفداء