في ٩/٨/٢٠٠٨ كان موعد الشاعر محمود درويش مع القدر….لقد رحل عن دنيانا الفانية إثر عملية جراحية في القلب…ولم اشأ أن تمر ذكرى رحيله دون أن أقول فيه شيئا …فالقامات العالية لا تنطوي ذكراها بمرور السنين والأيام،بل تبقى خالدة بما قدمته من آثار،ومواقف دونتها في سجل الخالدين،وما أجمل قول القائل:
قد مات قوم،وما ماتت مكارمهم. وعاش قوم وهم في الناس أموات
والذين كتبوا عن محمود درويش حيا وميتا كثيرون، وكثيرة هي الدراسات الجامعية،وغير الجامعية التي تناولت سيرته وشعره بالرصد والنقد والتحليل…وكلها أجمعت على أنه شاعر قضية كبيرة …قضية شعب أعزل اقتلع من جذوره،وشرد من وطنه ليكون لاجئا في أرض الشتات..إنه شاعر القضية الفلسطينية،الذي نذر حياته،وقلمه،وشعره من أجلها…
حين كنا طلابا في المرحلة الثانوية،ثم في الجامعة تعرفنا إلى شعره المقاوم الذي كان ينضح ألما،ويمتلئ مقاومة،ويتلظى نارا تحرق وجوه الصهاينة الغزاة،ويضج صراخا وتحديا وإصرارا على البقاء:
سجل أنا عربي
أنا اسم بلا لقب
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأولادي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
ومن منا لا يحفظ قصيدته الجميلة التي ترقص حروفها،وكلماتها رقة،وتتهادى أبجديتها على وقع الإباء والتحدي والثقة المطلقة بعودة الشعب الفلسطيني الشرد إلى دياره:
يا أمنا انتظري أمام الدار إنا عائدون
بمشيئة الملاح تجري الريح والتيار يغلبه السفين
ولا أزال أذكر أنه-وبعد الاجتياح الصهيوني للبنان عام ١٩٨٢-أتى إلى دمشق- عاصمة العروبة والثقافة العربية-التي عشق وأحب،فكان مدرج جامعتها حاضنا له ليلقي منه شعره الذي صب فيه جام غضبه على الولايات المتحدة الأمريكية التي تساند كيان الاحتلال الصهيوني بالمال والسلاح الفتاك وتدعمه في المحافل الدولية،فتقف معه شاهد زور وبهتان،فكانت قصيدته (أمريكا هي الطاعون،والطاعون أمريكا) قد ألهبت أكف الجماهير بالتصفيق والهتافات المؤيدة لسورية الصامدة،والقضية الفلسطينية…هذه الجماهير المحتشدة لم يتسع لها مدرج جامعة دمشق ،فبقيت واقفة في الشارع وقد توقفت حركة السير تماما،وهي تستمع لشاعر القضية الفلسطينية الكبير عبر مكبرات الصوت.
وما فتئ هذا الشاعر يعبر عن حبه،وعشقه لدمشق،وهيامه بها،فإذا به يلقي ماهي جديرة به قائلا:
هذا طريق الشام …وهذا هديل الحمام
وهذا أنا…هذه جثتي
والتحمنا
ومروا
خذوها إلى الحرب كي أنهي الحرب بيني وبيني
خذوها أحرقوها بأعدائها
انزلوها على جبل غيمة أو كتابا
وبعد ذلك من منا لم يقرأ أو يسمع بقصيدته أو مطولته(مديح الظل العالي) التي نشرها في مجلة (الكرمل)التي أسسها وكانت تصدر في قبرص عقب خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت؟لقد كانت هذه المجلة منبرا حرا لذوي الأقلام الحرة النيرة التي لم تعرف يوما سياسة التفريط بحق،أو التنازل عن شبر من الأرض المغتصبة.
ومن منا لم يسمع بقصيدته التي اغتسلت بالحنين إلى الوطن والأم الحنون،وتعمدت بحب الحياة الحرة الكريمة لا من أجل نفسه بل من أجل الحبيبة فلسطين التي تستحق أن يحيا لتقاوم المحتل الغاصب،ويعيد الحق إلى شعب أصابه من الظلم ما لم يصب به شعب في العالم:
أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر في الطفولة يوما على صدر أمي
وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي
لقد عاش هذا الشاعر يخط بقلمه القصيدة المقاومة التي تدعو للصمود،والعودة إلى الوطن السليب،وعدم التخلي عن حقوق الشعب الفلسطيني المنكوب،فكان هذا القلم في يده كالمبضع في يد الجراح ..ففي حياته كلها جمع شعبه حول شعره فوحد هذا الشعب في صف واحد يقاوم الغزاة الصهاينة في كل مكان..وبعد مماته التف الشعب الفلسطيني كله لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان شاعرهم الكبير..فكأن لا خلاف بين الأشقاء،بل كلهم يد واحدة في مواجهة العدو الصهيوني الغاصب للحق والأرض … وأدرك الجميع أهمية شاعرهم،فقدروه حق قدره،فصمموا له طابعا يحمل صورته اعتزازا وعرفانا بدوره النضالي..لقد كان شاعرا حقيقيا فذا .. شاعر قضية كبيرة لشعب كبير وحده شعره في حياته،ووحده موته …لقد عاش شاعرا،ومات شاعرا ،وسيبقى شعره بعد رحيله حيا في ضمير الأجيال ،وشاهد صدق على نكبة ألمت بالشعب العربي الفلسطيني،وجريمة كبرى أسهمت في صنعها بعض الدول الغربية المساندة للكيان الصهيوني،وتاريخا لن يغفر لها هذا الصنيع،وإصرارا على استرداد الحق،وحثا للمقاومين الشرفاء على متابعة مسيرة النضال والتحرير، ورفضا لكل معاهدات الاستسلام والتطبيع التي قامت بها -ولا تزال- الأنظمة العربية المتخاذلة.
د.موفق السراج