دنـدنـة

لا تتحدث كثيراً عـن الحب كون حبك من وجهة نظـر قلبِك أكبر من كل الكلام تصفه بالمقدس الذي لا توازيه الكلمات فتنأى به عن قصصك ،وقصائدك ،وحديثك اليومي مع رف الغار ،والبطم، ورفاق الطريق .
تدندنُ بينك وبين نفسك تتلاشى أصابعك في ماء الوجـود تدندنُ بصوتٍ أعلى تسمعُه أنتَ فتنهضُ كــ صوفي تنظرُ
إلى الأعلى ثم الأعلى ثم كــ جارك في الطابق الأولى تجـثو على ركبتيك ،وتفكر في لوازم السهرة من عصير ،وكمشة أغنيات نسيتَ أن تسمعَها ،وأنتَ بصحبة من تحب .
تتأبطُ حزنَك، دهشةَ طفولتك البعيدة. مما آلـت إليه الحياة التي أخذتْـكَ إلى مكان لم يكن في حسبان رأسك الممتلئ بالتأمل ،وترجمة كل ما يمر أمامك حتى أنك مؤخراً ترجمتَ صحن / الجـظ مـظ/ ، وفصلتَ بين البيض، والبندورة ليتسنى للمشاهدين القدرة على شمِّ مهارتك عن بُعـد .
مهارتك في فصل التفاصيل ،وتسمية الأشياء بأسمائها دون تجميل . مهارتك في صناعة تماثيل من حجارة صادفـتْ بطولاتك الفردية تكاد تنطقُ من براعة روحك التي تماهتْ بها .
يُحكى أنك فَصَلتَ مرة طالباً من المدرسة حين كنت مديراً لمجرد أنه نسي كتابَ الجغرافيا كيف لو أنه نسي وظيفة العلوم أظنُ كنتَ ستفصلُ حقيبتَه عن كـتفه .
ويُقال بأنك ندمتَ لاحقاً لأن الطالب ذاك أصبح ذو شأن عظيم، ولم يـرد عـليك السلام حين التقيته في صالة لبيع الأدوات الكهربائية المستعملة . كان كالطاووس ينفش ريشه ، وينظر نحو الأعلى ، والعرقُ يتصببُ من جبين ندمك .
لا تتحدث كثيرا عن الحب .
الحب الذي ذهبتَ إليه مراراً وتكراراً فألفيته عـكس الصورة المرسومة في خيالك فعدت خالي القلب .
جلستَ تحت ظل شجرة المشمش تشربُ قهوتَك ،وتسمعُ فيروز ورق الأصفر شهر أيلول كأنك تسمعها للمرة الأولى فتنتفض من مكانك كأن المطـرَ بللك في عـزِّ الحـر .
لا تتحدث كثيراً عن عملك كونك تراه دون الطموح
تُشرّقُ تُغَرّبُ في أجوبتك كلما سُئلتَ عن مهنتك التي تمارسها مرة تقول: شوفير على خط درب التبانة.
مرة تقول :اسكافي وتشير إلى قدميك الحافتين ،ومرة تفتل الشوارب تقول : أنا طائر حـر .
وتارة تحملُ عصاك، وتقول راعي دجاج ،والجواب الذي يثيرُ دهشةَ رفاقـك حين تلفُّ جسدَك بثياب مستوردة من التاريخ وتقول : أنا من عصر النهضة .
تدهشهم بجوابك لعلمهم المسبق بأنك لم تنهض مرة واحدة عن تلك المصطبة التي ورثتها عن جـدك .
لا تتحدث كثيراً عن الطعام كما يفعل غالبية أصدقاءك الذين يتحدثون عن طعامهم المفضل ،وعن طبختهم اليومية .
تطبخُ في رأسك مالـذَّ وطاب من الأحلام .
والمؤسف أن طبخاتك تلك فاحـت رائحتُها كونك نسيتها معلقة في مهب نار الزمن فاحترقت ولم تعد صالحةً للتحقيق في زمن الوباء .
وباء أسماء لاتمت لك بصلة فكرية لكنك مجبرٌ على قبولها في دفترك لسبب واحد أنك مازلت تراهن على الصدق، والوفاء، والطعن في الصدر كونه برأيك أقـل خسارة من الظهر كون الصدر قابل للتسامح أما الظهر فعموده الفقري غير قابل للكسر ولا يرحم من تسول له نفسه برميه بطلقة حتى لو كانت النيران صديقة
لا تتحدث كثيراً عن الحب تمارسه فعل حياة من أقصى حزنـك إلى أدنى التفاتة .
تصحو من تأملك ، تعاود التجديف في نهارات العمر
سؤالٌ جديد يأتيك كالصاعقة :
ما قيمة الدندنة في ميزان النسيان النسيان الذي عَـرفْـتَه بأنه شكلٌ من أشكال الموت .

نصرة ابراهيم 

المزيد...
آخر الأخبار