نقد أدبي : قــــــراءة انــــطباعية في «بــطاقة تـــعريف أدبية» للشاعر مصطفى صمودي

لا يمكنني الإحاطة بكل ما كتبه شاعرنا مصطفى صمودي من أشعار و مسرحيات بيد أني آثرت أن أتخير واحدة من قصائده التي تشكل هويته الشعرية و جوهرها.
إنها قصيدة «بطاقة تعريف أدبية» التي يستهلها على النحو الآتي:
كم تأملت في الحياة ملياً
فخبرت الحياة شيئاً فشيئاً. (١)
يشير النظر الفاحص إلى أن شاعرنا مصطفى صمودي ينهج منهج عملاق الشعر الرومانسي الإنكليزي وليام وردزورث الذي ينظر إلى الشعر بوصفه وليد لحظات تأمل ذاتي تأتي بعد أن تكتمل الفكرة في روحه المتوثبة، فتتفجر في ظلال صور بديعة تستحوذ اللب و تسحره.
فعلى غرار وردزورث يتأمل شاعرنا مصطفى صمودي في مشقات الحياة، فتزداد خبرته و تتعمق رؤاه، فيسكبها شعراً فيتسم بالتدفق العفوي و الانسياب التلقائي. (٢)
ينسج الشاعر صمودي صموده في وجه مباهج الحياة الزائلة التي تهدف إلى ثنيه عن رسالة الشعر الإنسانية النبيلة التي تغنّى بها الأدباء على مر العصور، فيقول، و الإحساس بانتصاره يغمر فؤاده الذي يأبى الانقياد إلى بهارج الحياة الزائفة:
جرعتني الأيام من صباب عيشي
كل مر و لا ألذ حميا
راودتني الحياة عن طهر نفسي
ما غوتني و كنت عنها عميا.
تذكرنا مفردة «راودتني» بقصة سيدنا يوسف عليه السلام حين أبى أن يستجيب لامرأة العزيز، و أصر على طهره و ثباته على مبادئه المقدسة. و ها هو ذا شاعرنا يصون طهر نفسه الأبية و يتسامى على متاع الدنيا الآفلة، فهو ذو رسالة نبيلة رفيعة الشأن، و لا يسلك الدروب التي تغويه و تبعده عن الصراط المستقيم، لأن العاقبة وخيمة:
لو رغبت الحياة قنصاً حراماً
لأتتني و صيرتني شقيا
و يمضي شاعرنا قدماً في عرض بطاقته الذاتية فيدعونا إلى أسس ذاته التي تحدوها قناعة لا تتزعزع نابعة من ضمير حي يرسم له منهاج حياة فاضلة:
قيداني قناعتي و ضميري
علماني بأن أكون رضيا
لصورة القيد و «الرضا» النفسي أهمية بالغة الشأن هنا، ذلك لأنها تشير إلى جمالية الربط بين المتناقضات، فالقيد يوحي بالأسر و الرضا بانشراح الصدر. نعي هنا أن شاعرنا صمودي يتسامى على فخاخ الحياة التي من شأنها أن تصرفه عن مبادئه الإنسانية التي تشكل قوام شعريته الفنية, التي يؤكد أنها استجابة للمثل النبيلة و القيم السامية التي يضعها نصب عينيه ثاقبتي النظر:
ليس إلا لكي أظل طهورا
كنت في أحلك الظروف سويا
و يواصل شاعرنا في عرض هويته الشعرية فيبوح بوحا» يؤكد رفضه للجاه و المناصب و تعاليه عليها:
أنا لم أطلب بالتزلف جاها»
و سأبقى مدى الحياة عليا
فوجودي كجوهري يتسامى
ليس يرضى بعد الهداية غيا
من هنا ندرك أن التزلف و التملق لا يجدان طريقهما إلى معجم شعريته الرفيعة المستوى, فهو يرفض أن يكون بوقا» رخيصا» يروج لأحدهم أو يسوقه.
يجيد شاعرنا رصف المتناقضات هنا؛ فالجاه الذي يجلبه التزلف رخيص و سلبي لأنه دلالة على الانحدار إلى الغي أو الغواية؛ و أما المكانة العلية فهي قيمة إيجابية لأنها علامة على جوهره أو معدنه الأصيل الذي جعله ينعم براحة الهداية، أي الاهتداء إلى منهج الفضائل المثلى التي تكون الإنسانية الصادقة. فروحه طافحة بالأحاسيس النبيلة، إذ تفرح حين يفرح الناس و تبكيهم حين يبكون:
كنت أبكي اذا وجدت بكيا
لم أجد دمعي الهتون عصيا
هذه هي الشعرية الحقة، فهي استجابة عفوية لما ترى الذات من آلام و هموم و منغصات، هذه هي شعريته التي تنبع من روحه الحالمة بالدفء و الوئام الإنسانيين. تتجلى شعريته هذه في ظلال رهافة حسه كما يدعوها:
ما أسمي رهافة الحس عندي
لست أدري … فما وجدت سميا
رهافة الحس هذه سمة شعريته التي تجعله ينأى عن الزيف و الرياء اللذين يشلان الحياة الإنسانية.
يختتم شاعرنا صمودي بطاقته أو ذاتيته الشعرية، فيؤكد أنها بمنزلة الشرارة التي تنبثق من روحه الرومانسية التي تسمو إلى الثريا، فتكتسب هالة مقدسة تطفح بالقيم المثلى، و من ثم تهبط إلى أديم الأرض، و تتزيا بزي إنسان يضع نصب عينيه رسالة الشعرية السامية التي تتمظهر في إضاءة دياجير الحياة الإنسانية، و إزالة المتاهات النفسية التي تقضُّ مضجع أصحابها:
أتألهت صاعداً من أديم؟
أم تأنسنت هابطاً من ثريا!!
تجسد ألفاظ «التأله» و «التأنسن» و «الصعود» و «الهبوط» و «الأديم» و «الثريا» رحلة روح الشاعر من السماء إلى الأرض بغية تبليغ رسالة الشعر السماوية التي نادى بها الشاعر الانكليزي شسلي و أفلاطون من قبله، اللذان رأيا الشاعر بجلالة النبي الذي يحمل رسالة الوئام و السلام لبني البشى. (٣)
و صفوة القول:
هذه هي بطاقة الشاعر مصطفى صمودي التعريفية، هذه هي شعريته التي ترفض الوقوف أمام عتبات الاستجداء المذلة، هذه هي هويته الشعرية التي ترى ذاتها في نشر المثل الإنسانية بين بني آدم لتنصر النفس فتسعد الحياة و تجود بآلائها المتنوعة و المتعددة.
الحواشي:
1- مصطفي صمودي, صاحبة الثوب الأخضر: شعر, مطبعة العبيسي, حماه, 1984, ص 7-8
2- Romans, William, Romantic Poetry, Methuen, London, 2010. P. 35
3- Edwards, Robert, The March of Literary Creations, New York Press, 2008, p.100

د. الياس خلف

المزيد...
آخر الأخبار