حذر الروائي العالمي الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز في خطابه الثامن والمعنون بـ (كارثة ديموقليس) الذي ألقاه في اجتماع القمة الثانية لمجموعة الستة في المكسيك بتاريخ 6/آب 1986 والذي ضمّنه في إصدار جاء بعنوان: (لم آتِ لألقي خطاباً) الصادر عن الهيئة العامة للكتاب – وزارة الثقافة – دمشق لعام 2011 ترجمة صالح علماني.. من الخطر النووي الذي يجتاح العالم كطوفانٍ مميت، داعيا العالم أن يعي خطورة ذلك قبل فوات الأوان والعمل بكل الطاقات لتجنب الأرض هول كارثة كونية ما، حذر آملاً في تحقيق السلام والأمن وجعل الحياة أفضل الحيوات الممكنة.
( لم آتِ لألقي خطاباً ) كتاب يضم مجموعة خطابات له قدّمها على منبر الحياة، خطاباتٍ عكست تطور وعيه في السعي جاهداً لامتلاك أدوات فعله الإبداعي، فما بين خطابه الأول (أكاديمية الواجب) عام 1944 والذي لم يكن يتجاوز السابعة عشرة من عمره آنذاك وخطابه الأخير (روح مفتوحة لتلقي رسائل بالقشتالية) عام 2007 وهو في الثمانين من عمره ما بينهما مراحل هامة وكبيرة وخطيرة خبرها ماركيز وخبرته , خطابات الكتاب كلها جديرة بالوقوف أمامها ومطولاً وقفة نقدية تأملية وخصوصاً أحاديثه الشيّقة عمّن يحبّ ويصادق..فنلاحظ ماركيز كيف يطير روحه ويحوّلها إلى أسراب فراش من حيث لا يدري يطير ويطير متجهاً إلى وهج المحبة الجميل المغري جدا بالموت و بالانعتاق.
في خطابه الثامن هذا تحدث عن تفشي ظاهرة التسلح على حساب إنسانية الإنسان مدعماً خطابه بالأرقام في مجالي الصحة والتربية والتعليم ونذكر على سبيل المثال ما أورده في مجال الصحة قائلاً: بكلفة 10 حاملات طائرات من نوع(نيميتز)، من الحاملات الخمس عشرة التي ستضعها الولايات المتحدة قبل عام 2000 يمكن تحقيق برنامج وقائي يحمي، خلال السنوات الأربع عشرة القادمة أكثر من مليار شخص من مرض الملاريا ويحول دون موت أكثر من أربعة عشر مليون طفل في أفريقيا وحدها.
لنتمعن في هذه الأرقام المخيفة والتي لا تكلّف الإنسان إلاّ العودة وبمنسوب أخلاقي بسيط إلى ضرورات وجوده الكوني والتي يمكن اختزالها بأقل ما يمكن قوله اعمار الكون بصفته العقلية والمعرفية من جهة..وبصفته خليفة الله على الأرض من جهة أخرى، ويتخلى ولو قليلاً عن ضلالته وتجبره ونزوعه نحو حيوانيته في اختراع وابتداع كل صنوف القتل والتخريب والدمار.
ويتابع في جانب آخر عن الهدر غير المادي، الهدر البشري من خلال أسر أكبر عدد من العلماء لصالح الصناعات الحربية, هذا العدد الذي لم يجتمع مثله لإنجاز أية مهمة خلال تاريخ البشرية كله ويرى ماركيز أن المكان الطبيعي لهؤلاء العلماء ليس هناك وإنما هنا بيننا على هذه المائدة وتحريرهم واجب لابد منه كي يساعدونا في مجالات التعليم والعدالة، وخلق الشيء الوحيد القادر على إنقاذنا من البربرية ألا وهو ثقافة السلام.
عباس حيروقة