لايختلف اثنان في أن عصرنا يشهد انفجاراً علمياً كبيراً, وأن الدول الكبرى تتقدم بخطا حثيثة في مضمار العلم والتقنية الحديثة, فتطلع علينا كل يوم بمخترعات ونظريات ومؤلفات، وحالنا معهم الآن كحالهم معنا في العصور الوسطى, فحين كان العرب يعيشون أزهى حركة علمية في الأندلس, كانت أوروبا تفتقر إلى نور العلم والمعرفة, فترسل طلابها إلى الأندلس لينهلوا علومهم ومعارفهم من العرب.
وليس من شك في أن نهضة العرب العلمية آنذاك لم تتم بيسر وفتور همة, بل بالدأب المتواصل والتحصيل الذي لايكل, فما إن استقرت الخلافة العباسية حتى قام الخلفاء بتجنيد الكوادر العلمية لترجمة العلوم المختلفة من اليونانية والفارسية والهندية والسريانية, وبلغت حركة الترجمة أوجها في عهد (المأمون) الذي أنشأ دار الحكمة في بغداد، وغدت أشبه بمعهد كبير ترجم كتباً كثيرة من لغات عديدة, ويحكى أن المأمون كان يعطي المترجم وزن كتابه ذهباً, وبقيت تلك الدار تقوم بالترجمة حتى دمرها التتار عام 656 هـ . ولست هنا بصدد التأريخ لحركة الترجمة العربية, ولكن ما أردت قوله هو أن أية أمة تحتاج على الدوام إلى الاطلاع على مايصدر في لغات الأمم الأخرى, لكي يحصل التلاقح بين الحضارات فيكون التطور والتقدم والنهوض.. وهذا لايكون من غير ترجمة.
وأسوق هنا بعض الأمثلة تدليلاً على ذلك, فاليابان التي دمرتها الحرب العالمية الثانية, نهضت بفضل الترجمة, فخصصت لها هيئات ومترجمين وميزانية ويقال إن 000ر17 كتاب ترجمها اليابانيون عام 1975. وأما الاتحاد الروسي فقد أسس إدارات خاصة بالترجمة من لغات العالم الحية إلى اللغة الروسية, وهيأ لها المترجمين, وميزانية كبيرة, فماذا نفعل نحن العرب في (الترجمة).
وأقول إننا نترجم ولكن ترجماتنا تغلب عليها النزعة الفردية, والمترجمون يقومون بهذا الأمر بدوافع ذاتية, وجهود شخصية, وأن تلك الترجمات تغلب على كثير منها المقابلة الحرفية دون النظر إلى وضع مزايا اللغتين في الميزان.. مما يشوه النص أو يمسخه أو يشوهه.. والكتب المترجمة يعاني الكثير منها مما ذكرت لعدم وجود لجنة مختصة متكاملة تدقق وتراجع مايقام بترجمته, مراعاة لخصائص اللغتين, والأمانة العلمية.
أضف إلى ذلك أن مايترجم إلى لغتنا العربية, لايشكل نسبة تذكر مما تلفظ به المطابع يومياً في الدول المتقدمة, وأرى من المفيد أن تشكل لجان مختصة, ودور ترجمة عامة يعمل بها مترجمون من ذوي العلم والكفاءة، يتقنون إلى جانب لغتهم الأم, لغة أجنبية أو أكثر.. وهذه اللجان المختصة تشرف على الأعمال المترجمة, فتنقحها وتعيد النظر فيها, ثم تجيزها للنشر, فنبتعد عن الفردية لتحل محلها روح جماعية تقدم ماهو أقرب إلى الكمال, وتخلصنا من الافتقار إلى أحدث ماتنتجه عقلية الحضارة المعاصرة.
د. موفق السراج