دخل مسار تحقيق العدالة لضحايا وناجي استخدام السلاح الكيميائي في سوريا، الذي ارتكبه رأس النظام السوري البائد بشار الأسد وأجهزته العسكرية والأمنية، مرحلة مفصلية، بعد سنوات من غياب المحاسبة عن واحدة من أكثر الجرائم فتكاً في تاريخ الحرب السورية.
وقال الباحث والخبير في شؤون الأمن الكيميائي غريغوري دي كوبلينتز: إنَّ العدالة باتت أقرب من أي وقت مضى لضحايا الهجمات الكيميائية التي وقعت خلال حكم نظام الأسد المخلوع، موضحاً أن سقوط الحكم في كانون الأول 2024 شكّل نقطة تحوّل تاريخية في مسار المحاسبة، وفق ما نشرت صحيفة ذا هيل الأمريكية في مقال.
وأشار كوبلينتز إلى أنَّ إحياء اليوم الدولي لإحياء ذكرى جميع ضحايا الحرب الكيميائية خلال الاجتماع السنوي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تشرين الثاني الماضي حمل دلالة خاصة، كونه جاء للمرة الأولى التي يتم فيها تكريم ضحايا وناجي الهجمات الكيميائية علناً داخل البلاد، في خطوة لم تكن ممكنة خلال سنوات حكم النظام البائد.
ووفق المقال، باتت الولايات المتحدة وشركاؤها أمام فرصة سياسية وقانونية، لتحويل إحياء ذكرى ضحايا الأسلحة الكيميائية مستقبلاً من مجرد استحضار للمأساة إلى إعلان فعلي عن نهاية الإفلات من العقاب، بعد أكثر من عقد من استخدام هذه الأسلحة المحرمة دون مساءلة.
وسرد كوبلينتز أرقاماً وصفها بالمروعة، مشيراً إلى أنَّ نظام الأسد المخلوع نفذ أكثر من 340 هجوماً كيميائياً خلال 13 عاماً من الحرب، لافتاً إلى أن هجوم الغوطة بغاز السارين عام 2013، الذي أودى بحياة أكثر من 1100 مدني خلال ساعات، كان أكثر أيام الحرب دموية.
وأضاف أن الغوطة ودوما وخان شيخون ليست سوى محطات معروفة ضمن سجل طويل من الجرائم، حيث تعرضت عشرات البلدات والقرى السورية للتسميم، فيما قدّرت منظمات حقوقية سورية مقتل ما لا يقل عن 1500 شخص، إضافة إلى إصابة نحو 12 ألفاً آخرين نتيجة استخدام السلاح الكيميائي.
وأشار الكاتب إلى أن مسارات العدالة بدأت تتبلور، موضحاً أن الرئيس أحمد الشرع أنشأ اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية في أيار 2024، بهدف التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها النظام البائد وملاحقة المسؤولين عنها قضائياً.
وأضاف أن الحكومة السورية أعلنت اعتقال خمسة ضباط كبار سابقين في سلاح الجو، قادوا قواعد أو وحدات ربطتها تحقيقات دولية، وتقارير لمنظمات حقوقية سورية مباشرة بالهجمات الكيميائية، إضافة إلى قائد وحدة الصواريخ المتورط في هجوم الغوطة عام 2013.
وأكد كوبلينتز أن هؤلاء لا يمثلون سوى جزء من سلسلة القتل بالأسلحة الكيميائية التي بناها النظام المخلوع، مشيراً إلى أن شخصيات محورية أخرى، بينها مسؤولون عسكريون رفيعو المستوى، فروا إلى لبنان، معتبراً أن تسليمهم إلى سوريا سيشكّل خطوة مهمة على طريق المساءلة.
وتطرق المقال إلى أن المدير السابق لمركز الدراسات والبحوث العلمية، الذي شكّل العمود الفقري لبرنامج الأسلحة الكيميائية السوري، لا يزال مقيماً في دمشق ويمكن توقيفه، فيما فر عدد من كبار الضباط المسؤولين عن التخطيط والتنفيذ، من بينهم جميل حسن الرئيس السابق لإدارة المخابرات الجوية، وبسام حسن حلقة الوصل بين الأسد المخلوع والمركز، إضافة إلى الطيار محمد الحسوري المتورط في هجوم خان شيخون، إلى لبنان عقب سقوط النظام البائد.
واعتبر الكاتب أن تسليم هؤلاء المسؤولين إلى السلطات السورية لمحاكمتهم سيمثل خطوة جوهرية على طريق المحاسبة، مؤكداً في الوقت ذاته أن العدالة لا تقتصر على الساحة السورية فقط.
وفي السياق ذاته، أوضح أن القضاء الفرنسي أصدر مذكرات توقيف بحق الأسد المخلوع وأربعة من مساعديه بتهم استخدام السلاح الكيميائي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، مبيناً أنه رغم وجودهم في المنفى بموسكو، فإنهم قد يمثلون أمام المحاكم الفرنسية غيابياً العام المقبل، في محاكمة ستتيح عرض أدلة تثبت مسؤولية النظام البائد، إلى جانب تحقيقات موازية في ألمانيا والسويد.

ويرى الكاتب أن الطريق لا يزال طويلاً، إلا أنه يؤكد أن دعم الولايات المتحدة وحلفائها قادر على لعب دور بنّاء في هذا المسار، عبر المساهمة في إعادة بناء النظام القضائي السوري وتعزيز قدرته على التعامل مع القضايا المعقدة المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية، إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون عبر الإنتربول، بما يعزز فرص المحاسبة ويحدّ من الإفلات من العقاب، ويسهّل توقيف وتسليم ومحاكمة المتورطين.
ويختم بالقول: إنَّ معاقبة المسؤولين عن هذه الجرائم لا تمثل مجرد تحقيق للعدالة، بل تشكل رسالة ردع تحمي العالم من تكرار هذا “الأسلوب الخبيث”في الحروب المستقبلية، وتحمل رسالة واضحة مفادها أن استخدام السلاح الكيميائي لن يمر دون عقاب مهما طال الزمن .
#صحيفة_الفداء