خان رستم باشا… من محطة قوافل إلى منارة للحِرف والتراث

الفداء_  رهام الخالد 

يقف خان رستم باشا في قلب حماة شاهداً على زمنٍ كانت فيه القوافل تعبر من خلاله محمّلةً بالبضائع والحكايات. فلم يكن مجرد بناءٍ حجري، بل محطةً تنبض بالحياة، تختلط فيها أصوات التجّار بوقع خطى المسافرين.

حيث كشفت مديرة السياحة في حماة، المهندسة مي البكري، لصحيفة الفداء أن خان رستم باشا يُعدّ من أبرز المعالم التاريخية في المدينة، لما يحمله من قيمةٍ معمارية وتاريخية تعود إلى العهد العثماني.

فقد شُيّد عام 1556م بأمر من رستم باشا، الصدر الأعظم في عهد السلطان سليمان القانوني، ليشكّل محطةً تجارية رئيسية على طريق القوافل بين دمشق وحلب.

العمارة والتصميم

يتألف الخان من طابقين يتوزعان حول ساحةٍ داخلية مكشوفة، في تصميمٍ يعكس الطراز العثماني التقليدي للخانات التجارية. ويتميّز بمدخلٍ واسعٍ تعلوه قوسٌ مقنطرة تضفي على الواجهة طابعاً مهيباً.

خُصص الطابق الأرضي لتخزين البضائع وإيواء الدواب، بينما استُخدم الطابق العلوي لإقامة التجّار والمسافرين.

وفي وسط الساحة ينتصب مسجدٌ صغير مثمّن الشكل، في دلالةٍ واضحة على التداخل بين البعد الديني والنشاط التجاري، وهو ما كان سائداً في العمارة العثمانية آنذاك.

الوظائف والتحولات عبر العصور

أدّى الخان في بداياته دوراً محورياً كمركزٍ لإيواء التجّار ومحطة استراحة للقوافل، ما جعله جزءاً أساسياً من الحركة الاقتصادية في حماة.

ومع أواخر العصر العثماني، تغيّرت وظيفته ليتحوّل إلى ما عُرف بـ”خان العسكر”، حيث أصبح مقراً للخيّالة العثمانية.

وخلال فترة الانتداب الفرنسي، استُخدم كثكنةٍ عسكرية، وعُرف حينها باسم “ثكنة فيدرب” نسبةً إلى أحد الضباط الفرنسيين.

بعد الاستقلال، شهد الخان تحوّلات جديدة، إذ استُخدم ملجأً للأيتام، وأُضيف إليه طابقٌ إضافي. وفي مراحل لاحقة، أُعيد توظيف الطابق الأرضي كسوقٍ للحِرف اليدوية والصناعات التراثية، ليبدأ باستعادة حضوره كموقعٍ ذي طابعٍ ثقافي وسياحي.

خان رستم باشا اليوم

يُعدّ الخان اليوم من أهم المعالم السياحية في حماة، حيث جرى استثماره بإشراف وزارة السياحة كسوقٍ للحِرف التقليدية.

ويعرض الحِرفيون المحليون فيه منتجاتٍ تعكس التراث الثقافي للمدينة، ما يمنح المكان حياةً متجددة تجمع بين الماضي والحاضر.

كما يحتضن الخان العديد من المهرجانات والفعاليات الثقافية والفنية، في محاولةٍ لإحيائه كمركز تفاعلٍ مجتمعي، لا كمجرد أثرٍ تاريخي صامت.

دعم الحرفيين المحليين وحماية التراث المهني

صرّح عددٌ من الحِرفيين لصحيفة الفداء بأن خان رستم باشا شكّل لهم فرصةً لإحياء مهنهم التقليدية وضمان استمرارها للأجيال القادمة.

ومن بينهم الحِرفي مصطفى عسكر، المتخصص في تطريز المناشف بالحرير، والحِرفي عماد عمشة، الذي يعمل في تقشيش الكراسي، حيث أكدوا أن الخان سهّل لهم ممارسة أعمالهم بشكلٍ مستمر.

دورٌ في الحفاظ على التراث 

لا يقتصر حضور خان رستم باشا اليوم على كونه معلماً أثرياً فحسب، بل ما يزال يشكّل مساحةً حيّة لمن يحملون في داخلهم روح الحفاظ على التراث.

فقد تحوّل إلى منصةٍ يدعم من خلالها الحِرفيون المحليون الصناعات التقليدية، محافظين على مهنٍ توارثوها جيلاً بعد جيل.

كما يُعدّ الخان مصدراً للرزق لعددٍ من أصحاب المهن والحِرف في حماة، حيث يعرضون منتجاتهم اليدوية والتراثية في أروقته، ما يمنحه بُعداً اقتصادياً إلى جانب قيمته التاريخية.

وفي هذا السياق، صرّح الحِرفي ماهر المدني لصحيفة الفداء، وهو أحد المستفيدين من محال خان رستم باشا التي قدّمتها وزارة السياحة بأجورٍ رمزية بهدف تسهيل عمل الحِرفيين، مؤكداً أن الخان جمع عدداً كبيراً من الحِرف في مكانٍ واحد.

ختاماً

اليوم، وبين أروقته، لا تُباع فقط مصنوعاتٌ يدوية، بل يُصان تاريخ، وتُحمى هوية، ويُثبت أبناء حماة أن التراث ليس ماضياً منتهياً، بل مسؤوليةٌ حاضرة.

#صحيفة_ الفداء 

المزيد...
آخر الأخبار