خريطة حماة.. هل ننطق أسماء قراها كما كانت قبل آلاف السنين؟

 

الفداء- دايانا بلول

 

تختبئ خلف لافتات الطرق في ريف حماة “شيفرات” لغوية لا تنتمي لقاموسنا المعاصر. فبينما ينطق الأهالي أسماء بلداتهم بعفوية يومية، فإنهم في الحقيقة يستحضرون لغاتٍ قديمة كالسريانية، الآرامية، واليونانية.

هذه الأسماء ليست مجرد عناوين جغرافية، بل هي وثائق حية تثبت تلاحم اللغات القديمة مع العربية، حيث تعيش المفردات السريانية في نطق الناس اليومي دون الالتفات إلى أصلها الضارب في التاريخ.

فك رموز السكن والمعتقد القديم

وحول هذا الموضوع كشف الباحث التاريخي “أمجد السيجري” لصحيفة الفداء عن بعض أسرارها، وبين أن  علم أصول أسماء الأماكن “الطوبونيميا” منح القدرة على فك رموز هذه القرى، فكلمة “كفر” التي تسبق أسماء مثل كفر زيتا وكفرلاها تعني ببساطة “القرية” في اللغة السريانية، بينما ترمز كلمة “بيت” أو “بيث” إلى مكان السكن أو المعبد، كما نجد في بيت ناطر التي تعني بيت الحارس، وبيصين التي تشير إلى معبد إله القمر “سين”. أما اللاحقة “ين” في أسماء مثل معرين وبقين فهي تدل على صيغة الجمع، ليكون معنى معرين على سبيل المثال هو “المغارات”.

أثر البيئة والمهن في هوية المكان

تفرض الطبيعة الجغرافية حضورها القوي في هذه التسميات، فبلدة حزور تترجم معنى “التفاح البري” باللغة الآرامية، وتشير حلفايا إلى انتشار “نبات الحلفاء”، وبذات المنطق تعني سلحب “المكان المنبسط الفسيح”، بينما ترمز سيغاتا إلى “الحظيرة أو السياج”.

وفيما يخص قرطمان، فإن أصلها السرياني يعني “الحداد أو المعدن”، وهو ما ينفي الاعتقاد الشعبي الشائع بنسبتها إلى التركمان، مؤكداً أن المهنة كانت هي الأصل في التسمية.

تحولات النطق من اليونانية إلى العربية

مع مرور الزمن، تغيرت أصوات بعض الأسماء لتناسب اللسان العربي، فمدينة السقيلبية تعود في الأصل إلى التسمية اليونانية “سلوقية”، وتحولت “سينزار” القديمة إلى “شيزر” الحالية.

وفي بعض الحالات تُرجم المعنى بالكامل كما حدث مع “حوّارين” السريانية التي تعني الأبيض فأصبحت تُعرف اليوم بـ “البياضية”، أما الأسماء التي تنتهي بـ “يّة” مثل الصارمية والزاملية فهي تسميات أحدث نُسبت لعائلات المنطقة، وفي مراكز المدن، يبرز اسم “حماة” الذي يعني “الحصن أو القلعة” بالكنعانية والآرامية، بينما تعود سلمية للجذر السامي “شلم” الذي يحمل معنى السلام.

إن بقاء هذه الألفاظ رغم تعاقب الحضارات يحول خريطة ريف حماة إلى أرشيف مفتوح للهوية، وكتاب تاريخ يقرأه الصغير والكبير في كل مرة ينطقون فيها أسماء بلداتهم.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار