تقرير خاص
بقلم: عمار ابو شاهين
في أوّل انتخابات برلمانية سورية حقيقية بعد سقوط النظام الديكتاتوري في كانون الأول 2024, حصلت ثماني نساء على مقاعد من أصل 140 في البرلمان الجديد, بنسبة لا تتجاوز 6%, وهو رقم يعكس التحديات الهائلة أمام تمثيل المرأة في سوريا الجديدة. لكنّ هذه النساء الثماني, اللواتي خرجن من رحم الثورة والنضال, يمثلن شرارة أملٍ في تحول البرلمان من “مجلس تصفيق” تابع للديكتاتورية إلى ساحة للديمقراطية الحقيقية. من بينهن, النائبة مؤمنة عبد الغني عربو, المنتخبة عن محافظة حماة, التي أكّدت في حوارٍ حصري أن “البرلمان اليوم أمام اختبارٍ جوهري لاستعادة الثقة العامة عبر ممارسة تشريعية مستقلة ومسؤولة”.
مع افتتاح الدّورة البرلمانية الجديدة في تشرين الأول 2025, يصبح هذا المجلس المحطة الأولى من محطات بناء “سوريا الحرة”, حيث يُتوقع منه سنّ قوانين تعزز فصل السلطات, وتدعم حقوق المرأة, وتضمن العدالة الانتقالية. ومع ذلك, يظل التمثيل النسائي الضعيف عائقاً أمام هذا الطموح, مما يثير تساؤلاتٍ حول كيفية تحويل هذه الصرخات القليلة إلى إصلاحات ملموسة, خاصةً في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد بعد السنوات العجاف التي مارس فيها النظام المخلوع أفظع أساليب القتل والتهجير والتدمير.
جذورُ الماضي: من الديمقراطية الفتيّة إلى غرفة الصدى
ولادةُ البرلمان السوري في 1946 كانت وعداً بالديمقراطية بعد الاستقلال, مع انتخاباتٍ تنافسيةٍ ساخنة في الأربعينيات والخمسينيات, وحقوق المرأة في التصويت والترشح منذ 1949 – سابقةٌ عربية نادرة آنذاك. لكن سلسلة الانقلابات العسكرية, وبلوغ حزب البعث السلطة في 1963, حوّلا هذا الوعد إلى كابوس. تحت حكم آل الأسد, أصبح المجلس مجرد آلة لتأكيد قرارات السلطة التنفيذية, من قوانين الطوارئ إلى قمع الانتفاضات كتلك في حماة عام 1982 التي قتل فيها نظام الأسد الأب أكثر من 40 ألفاً من المدنيين, ودمرت آلته العسكرية ثلث أحياء المدينة.
في هذا السّياق, كانت النائبات السوريات محاصرات بـ”سقفين”, كما يصفهن مراقبون: سقف الحزب الواحد الذي حدّ من دورهن إلى 12% كحد أقصى, وسقف التقاليد المحافظة. كنّ يُقدّمن كـ”تزويق سياسي” للنظام, دون صوتٍ حقيقي في التشريع أو الرقابة, شاهداتٍ على تدهور الحياة البرلمانية دون قدرة على تغييرها.
أصوات الثّورة: الانتخابات الجديدة ووجهات النساء المنتخبات
الانتخابات في تشرين الأول 2025, الأولى بعد انتصار الثورة وسقوط النظام الديكتاتوري, جاءت كاختبارٍ للانتقال الديمقراطي, لكنها كشفت عن صعوبة وصول المرأة إلى القرار. الثماني المنتخبات – من حماة وباقي المحافظات – لسن مجرد وجوه, بل قصصُ نضال. مؤمنة عبد الغني عربو, مهندسة وناشطة ثورية من حماة, هي إحداهن, وتستخدم صفحاتها الاجتماعية لنشر برامجها, مؤكدة على “تعزيز دور المرأة ومكافحة التمييز ضدها”.
في حوارنا, شددت عربو على العبء التاريخي: “من الصعب تجاوز إرث البرلمان السابق الذي ارتبط لعقود بالتبعية للسلطة التنفيذية, مما أفقده وظيفته التشريعية والرقابية”. وأضافت أن النجاح يتطلب “ثقافة مؤسسية جديدة داخل المجلس, قائمة على الشفافية, وإشراك الرأي العام في النقاشات الوطنية الكبرى”, مستندةٌ إلى الإعلان الدستوري الذي ينص على فصل السلطات وأدوات رقابية مبتكرة. “نحن بحاجة إلى أن نثبت عملياً أن البرلمان أصبح صوتاً للشعب لا صدى للسلطة”.
أما أولوياتها التشريعية, فتركز على “قضايا النساء في سوريا اليوم”, كما وصفتها, حيث “ليست مرتبطة بالمطالبة بالمساواة الشكلية, بل بتوفير بيئة حماية واستقرار تمكن المرأة من أداء دورها الطبيعي في بناء المجتمع”. يشمل ذلك تعزيز الحماية القانونية ضدّ العنف, دعم الأرامل والنازحات, ومشاركة النساء في الحياة العامة “من منطلق المسؤولية الوطنية, لا الصراع على الأدوار”. وتؤكد أن هذه الأولويات ستضمن تمثيل “أصوات نساء وفتيات حماة” في القوانين, من خلال التركيز على الشباب أيضاً كشركاء في الاستقرار.
الرهان على الكوتا والعدالة: بين الطّموح والتحديات
مع تمثيلٍ ضئيل, يبرز الجدل حول “الكوتا” النسائية كحلٍّ انتقالي. عربو تؤيده مؤقتاً: “أرى أن موضوع الكوتا النسائية يمكن النظر إليه في الإطار الانتقالي المؤقت لضمان تمثيل واقعي للنساء في المؤسسات, لكن الهدف الأبعد هو الوصول إلى مرحلة تُبنى فيها المشاركة على الكفاءة والقدرة لا على التخصيص”. وتخطط لـ”طرح رؤية تشريعية متكاملة لدعم حضور المرأة عبر التدريب والتأهيل, وتمكينها من المشاركة في لجان البرلمان ذات الصّلة بالتعليم والعدالة والشؤون الاجتماعية”. بهذا يصبح التمثيل “أثراً في القرارات, لا رقماً في المقاعد”.
بين السلطة التشريعية وهيئة العدالة والقضاء”
البرلمان, حسبما قالت يجب أن يضع “الإطار القانوني الذي يضمن استقلال الهيئة, ويُحصّن قراراتها من التسييس, ويكفل حقوق الضحايا في المعرفة وجبر الضرر”. وتضيف بعمق إنساني: “المرأة البرلمانية قادرة على أن تضيف لهذا المسار بعداً إنسانياً يعيد بناء الثقة داخل الأسر والمجتمعات, فالمصالحة الوطنية تبدأ من الاعتراف بالألم وحماية الذاكرة الجماعية من النسيان”.
لربط البرلمان بالشارع, تخطط عربو لـ”لقاءات دورية مع الفعاليات المجتمعية في حماة من نقابات ومنظمات مدنية وشخصيات أكاديمية”. “نجاح العمل البرلماني مرتبط بمدى قدرته على قراءة الواقع الاجتماعي”, تقول, مضيفة أن “الحوار المنتظم هو ما يضمن أن تأتي التشريعات معبرةً عن احتياجات الناس فعلاً”, محولة التجارب المحلية إلى سياسات وطنية.
طريق طويل: أمل في سوريا جديدة
البرلمان السوري الجديد ليس مجرد مبنى في دمشق, بل ركيزةً لبناء دولة تُشارك فيها المرأة كصانعة قرار, لا مجرد شاهدة. الحكومة الانتقالية تعد بإصلاحات جذرية – استقلال القضاء, حرية التعبير, حقوق المرأة – مدعومة من المجتمع الدولي برفع عقوبات وبرامج تنمية. كما في ألمانيا الشرقية بعد الستار الحديدي, يمكن للنساء أن يلعبن دوراً حاسماً في هذا البناء, لكن الطريق يتطلب شجاعة لمواجهة الأعراف المتقادمة.
النائبة عربو ورفيقاتها يحملن هذا العبء التاريخي لتحويل “مجلس التصفيق” إلى ساحة أمل. كما قالت في ختام حوارنا: “المرأة شريكة في الاستقرار والبناء”, رسالة تذكرنا بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا بأصوات الجميع – وخاصة أولئك اللواتي صمدن تحت القبة الحديدية, ويبنين اليوم قبة من الأمل.