الفداء – دايانا بلول
في وقت تتزايد فيه القضايا وتتعقد مسارات التقاضي، يبرز التحكيم كوسيلة قانونية مرنة تتيح للأطراف حل نزاعاتهم بعيدا عن أروقة المحاكم، بأسلوب أسرع وأكثر خصوصية.
فالتحكيم في سوريا يعد نظاما قضائيا استثنائيا اعترفت به التشريعات الوضعية والشرائع السماوية قديما وحديثا، ويُنظر إليه اليوم كجزء مكمّلٍ للقضاء الرسمي لا منافس له، إذ يتمتع الحكم التحكيمي بقوة التنفيذ وحجية الشيء المقضي به حتى قبل صدور أمر التنفيذ القضائي.
يقوم التحكيم على مبدأ حرية الإرادة، إذ يستمد وجوده من اتفاق الأطراف على اللجوء إليه لحسم نزاعاتهم بدل القضاء التقليدي.
وتعتبر هيئة التحكيم المكلفة بالفصل في القضية انعكاسا لإرادة هؤلاء الأطراف، في حين تحدد الإجراءات والقوانين المطبقة وفق ما يتفقون عليه، باستثناء القواعد الإجرائية والموضوعية التي نصّ عليها قانون التحكيم السوري رقم (4) لعام 2008 والتي لا يجوز تجاوزها.
ويشترط القانون أن يكون من يبرم اتفاق التحكيم شخصا طبيعيا أو اعتباريا يملك الأهلية القانونية للتصرف في حقوقه. فالشخص الطبيعي هو الإنسان الذي أتم الثامنة عشرة من عمره وفق المادة (46) من القانون المدني السوري، أما الشخص الاعتباري فهو الكيان القانوني المستقل كالدولة أو الهيئات العامة. ويجب أن يكون محل عقد التحكيم محددا أو قابلا للتحديد، ومشروعا لا يتعارض مع النظام العام أو الآداب العامة.
تبدأ إجراءات التحكيم عادة بإرسال إخطار رسمي من أحد الأطراف، يتضمن تفاصيل النزاع وطلبات التحكيم، ثم تتوالى الخطوات من تبادل المذكرات والمستندات، إلى اختيار هيئة التحكيم، مرورا بعقد الجلسات وإصدار الحكم، وصولا إلى تنفيذه وفق الأصول القانونية.
وفي هذا السياق، يوضح الشيخ عهد محمد المحمد، إمام وخطيب مسجد الصادق في مصياف، أن “مجالس التحكيم تقوم على أعراف وتقاليد راسخة، وغايتها الأساسية فض النزاعات وتحقيق الصلح بين المتخاصمين”. ويضيف: “قد تنعقد جلسات التحكيم في المساجد أو الكنائس، وأحيانا ينتقل مجلس الصلح إلى الجهات المعنية إذا وجد مانع مبرر، وغالبا ما تنتهي القضايا خلال ثلاث جلسات على الأكثر، بخلاف الجهاز القضائي الذي يتقيد بمدد قانونية أطول”.
ويرى مختصون أن التحكيم يحقق آثارا إيجابية عديدة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، إذ يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي من خلال سرعة البت في النزاعات التجارية، ويخفف العبء عن المحاكم، ويوفر بيئة آمنة للمستثمرين. كما يمنح الأطراف مرونة أكبر في اختيار محكمين مختصين بمجال النزاع، ويوفر سرية في الإجراءات تحافظ على سمعة الأطراف، وخاصة في القضايا التجارية الحساسة.
في حين ما يزال التحكيم بحاجة إلى نشر الوعي المجتمعي والقانوني بأهميته، وتشجيع المؤسسات والشركات على إدراجه في عقودها، إلى جانب تطوير التشريعات لضمان استقلاله وتبسيط إجراءاته. كما يوصي الخبراء بإدماج مفاهيم التحكيم في المناهج القانونية وتدريب الكوادر المختصة لتفعيل دوره كوسيلة حضارية وسريعة لتحقيق العدالة.
يذكر أن التحكيم يظل في سوريا جسرا بين القانون والعرف، وبين القضاء الرسمي وروح الصلح، إذ يجمع بين المرونة في التطبيق والالتزام بروح العدالة، ليكون بحق أحد أبرز البدائل العصرية لتسوية النزاعات بفعالية وسلام.
# صحيفة_ الفداء