ذاكرة الثورة.. كيف يمكن تحويل الذاكرة من مساحة صراع إلى مساحة تفكير

 

بقلم أمين التحرير: فراس اليحيى 

18/3/2011 يوم ليس كغيره يوم في تاريخ سوريا وخاصة في حقبة الأسد الأب والابن، ومن حكم سوريا بالحديد والنار، هذا اليوم الذي نطقت حناجر الأحرار السوريين بطلب الحريات والحقوق في ساحات القرى والمدن الكبرى، لم تكن مجرد شعارات أطلقت في الهواء، بل كانت بداية مرحلة وجودية انقسمت فيها الأقاويل والشخصيات بين مؤيد لنظام قتل وإجرام، وأشخاص رفضوا الذل والهوان.

الذاكرة هنا ليست أرشيفاً محايداً، بل مساحة حساسة تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الخطاب العام. ولذلك، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بما حدث، بل بكيفية استحضاره: هل تبقى الذاكرة ساحة للصراع وإعادة إنتاج الانقسام، أم تتحول إلى أداة للتفكير والمراجعة وبناء وعي أكثر نضجاً؟

الذاكرة بوصفها هوية

يرى عدد من الباحثين والناشطين، أن المجتمعات الخارجة من الأزمات الطويلة تميل إلى بناء وقائع وإحداثيات متعارضة حول الماضي، كل مجموعة تستحضر ذاكرتها بوصفها مرجعاً للشرعية والدفاع عن الذات، ومع غياب إطار وطني جامع، تتحول الذاكرة إلى أداة اصطفاف لا مساحة حوار.

هذا ما يفسر استمرار التوتر حول تفسير الأحداث، حتى بعد مرور سنوات عليها، فالصراع لا يدور فقط حول الوقائع، بل حول المعنى: ماذا تعني تلك المرحلة لنا؟ من المسؤول؟ وما الذي يجب أن يستفاد منها؟

في حين، تؤكد الدراسات المتعلقة بالمجتمعات التي عاشت صراعات ممتدة أن الصدمات الجماعية إذا لم تعالج تتحول، وستبقى مركزة في عمق الشخص ومنه انفعالات تنتقل عبر الأجيال. “الكبت أو الإنكار لا ينهي الألم، بل يؤجله”.

تحويل الذاكرة من مساحة صراع إلى مساحة تفكير يتطلب الانتقال من منطق الانفعال والعصبية الهوجاء إلى منطق التحليل والتفكير العميق، أي أن يستحضر الماضي لنتعلم منه أخطاء وجب عدم حدوثها، وفهم أسبابه وآثاره، واستخلاص الدروس المستفادة منه، هذا التحول لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى خطاب مسؤول يبتعد عن الإثارة والتحريض الطائفي ومنصات حوار تستوعب تنوع التجارب دون إقصاء.

فالذاكرة حين تختزل في شعارات، تبقى حبيسة اللحظة، أما حين تقرأ ضمن سياق تاريخي واجتماعي أوسع، فإنها تتحول إلى مادة وعي.

الذاكرة كجسر للمستقبل

المجتمع السوري لا يستطيع القفز فوق الماضي ونسيان كل أوجاعه من قتل وتشريد وانتهاكات جماعية، لكنه يستطيع إعادة قراءته، وتحويل الذاكرة إلى مساحة تفكير يعني الاعتراف بتفصيل التجربة وتطويرها، ورفض اختزالها في رواية واحدة، والسعي إلى بناء واقع وطني يستوعب التعدد دون نكران الأوجاع.

في حين لا يكمن التحدي في محو الخلافات، بل في إدارة الاختلاف بوعي سوري سوري،  فالذاكرة إذا أحسن توظيفها، يمكن أن تكون جسراً نحو مستقبل أكثر تماسكاً، لا وقوداً لصراعات جديدة.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمامنا كسوريين.. هل نريد للذاكرة أن تبقى مرآة لانقسامات طائفية ومسميات آنية، أم أن تتحول إلى أداة مراجعة ومسؤولية مشتركة؟

#الثورة_السورية

#أصل_الحكاية

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار