الفداء _ ناديا المير محمود
لم يكن غياب الأرقام الدقيقة عن مجزرة حماة نتيجة الإهمال، بل نتيجة واقع كانت فيه المدينة معزولة، والإعلام غائباً، والسلطة محتكرة بالكامل بيد المؤسسة العسكرية.
وعلى مدى سبعة وعشرين يوماً من القتل والحصار والتدمير المنهجي، أصبحت المدينة ضحية لعزلة مطلقة جعلت توثيق الجريمة ضرباً من الخيال، وحولت الأرقام نفسها إلى هدف للقمع، حيث كان مجرد التوثيق يعد جريمة عقوبتها القتل.
ووفق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر في الذكرى الأربعين للمجزرة، يقدر عدد القتلى المدنيين، بما يتراوح بين 30 و40 ألف شخص خلال 27 يوماً من الإبادة المستمرة، في حين لم يتمكن التقرير من توثيق سوى 7984 اسماً فقط، أما المفقودون، فيقدر عددهم بنحو 17 ألف شخص، لم تتوفر بيانات إلا عن 3762 منهم.
حماة.. المدينة المدمرة على مراحل
لم تتعرض حماة لضربة واحدة، بل لسلسلة متدرجة من التدمير متفاوت القوة، فقد مسحت أحياء الكيلانية، العصيدة الشمالية، الزنبقي، وبين الحيرين من الخريطة بالكامل، بينما تحولت أحياء البارودية، الباشورية، الحميدية، الأميرية، والمناخ إلى كتل من الركام، بعد أن بلغت نسبة الدمار فيها قرابة 80%.
وفي بقية أحياء المدينة، لم يسلم أي حي تقريباً من القصف أو الاجتياح، إذ تراوحت نسب الدمار بين الربع والنصف، بحسب التقرير.
استهداف العبادة والطب والذاكرة
لم تقتصر العمليات العسكرية على الأحياء السكنية، إذ طالت أماكن العبادة والمرافق الطبية بشكل مباشر، ودمر 79 مسجداً تدميراً كلياً والبعض تدميراً جزئياً.
إضافة إلى 3 كنائس و40 عيادة طبية، فضلاً عن أضرار واسعة لحقت بمواقع تاريخية وأثرية شكلت جزءاً من ذاكرة المدينة وهويتها.
الحصار قبل التدمير
قبل بدء الهجوم الواسع، فرض حصار محكم على المدينة، حيث قطعت المياه والكهرباء والاتصالات، وفرض حظر تجول شامل لعزل المدينة ومنع أي حركة داخلها.
وفي 2 شباط/فبراير 1982/، جرت محاولة أولى لاقتحام المدينة، لكنها فشلت بعد اشتباكات استمرت ساعات في عدة أحياء، ما دفع قوات الأسد إلى الانسحاب واللجوء إلى القصف المكثف بالمدفعية والرشاشات الثقيلة والطائرات.
الدبابات تدخل… والمجزرة تتوسع
في صباح 4 شباط/فبراير 1982/، بدأت المرحلة الأوسع من العملية العسكرية مع دخول دبابات اللواء السابع والأربعين إلى المدينة، حيث انتشرت الدبابات في الشوارع والأحياء السكنية، بعضها تمركز في نقاط ثابتة، فيما ركزت الفرق الأخرى قصفها باتجاه المنازل والأحياء.
كما نصبت راجمات صواريخ وقاذفات هاون فوق أبنية مرتفعة، واستخدمت لقصف أحياء مختلفة دون توقف، في قصف لم يميز بين طفل أو شيخ او امراة، ولا بين منزل ومكان عبادة.
في حين، نفذت قوات حافظ الأسد عمليات إعدام ميداني فردية وجماعية، طالت مئات المدنيين، بينهم أطفال، وكان الجنود يجمعون سكان الأحياء في نقاط محددة، ثم يطلقون النار عليهم مباشرة، بحسب شهود عيان من أبناء المدينة.
وبسبب الحصار ومنع التجول، لم يتمكن الأهالي من إسعاف الجرحى، فيما أظهرت شهادات أن بعض الجنود أقدموا على التنكيل بالمصابين وتركهم ينزفون حتى الموت.
بالتوازي مع القتل الممنهج، لم تتوقف عمليات دهم المنازل، حيث جرى تفتيش البيوت والاعتداء على سكانها، واعتقال أعداد كبيرة من الأهالي عشوائياً، إضافةً إلى اعتقالات استهدفت عائلات بأكملها، وفق شهادات أفاد بها شهود لصحيفة الفداء.
كما تحولت مبان داخل المدينة إلى مراكز احتجاز وتعذيب مؤقتة، قبل نقل المعتقلين إلى السجون، بينما عاش الأهالي حالة دائمة من الخوف والترقب، حيث كان القتل أو الاعتقال هاجس الجميع في كل لحظة.
في 28 شباط/فبراير 1982/، بدأت بعض الوحدات العسكرية بالانسحاب من المدينة، إلا أن ذلك لم يكن نهاية المجزرة، فقد استمرت الحواجز العسكرية انتشارها في جميع الأحياء، وتواصلت حملات القتل والملاحقة حتى منتصف آذار/مارس/ من العام نفسه.
ورفع حظر التجول جزئياً وبشكل شكلي عن بعض المناطق، في ظل استمرار الوجود العسكري الكثيف داخل المدينة.
القوى المشاركة في المجزرة
شارك في حصار واقتحام حماة عدة تشكيلات عسكرية وأمنية، أبرزها سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، الوحدات الخاصة، اللواء 47 دبابات، فرع الأمن العسكري في حماة، أمن الدولة، والأمن السياسي.
#صحيفة_ الفداء