عندما تتحول بقايا الأسد البائد إلى خطر على المجتمع.. دروس من أحداث الساحل ‏

الفداء_ ناديا المير محمود 

‏ما حدث في الساحل السوري في آذار 2025 لم يكن حادثة عابرة في مرحلة انتقالية صعبة، بل كان اختباراً حقيقياً لقدرة السوريين على حماية السلم الأهلي بعد سنوات طويلة من الحرب. ففي وقت كانت فيه الدولة الخارجة من صراع مرير تحاول تثبيت الاستقرار وبناء مرحلة جديدة، اختارت مجموعات من فلول النظام البائد طريقاً مختلفاً: طريق السلاح والتمرّد.

‏ووفق تقارير إعلامية دولية، بدأت شرارة العنف في السادس من آذار 2025 عندما شنّت مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام البائد هجمات منسقة على قوات الأمن ومؤسسات حكومية في الساحل السوري، استهدفت الهجمات حواجز أمنية ومبانٍ حكومية ومرافق عامة في اللاذقية وطرطوس، ما أدى خلال الساعات الأولى إلى سقوط عشرات القتلى من عناصر الأمن والمدنيين.

‏أمام هذا التصعيد، أرسلت الدولة تعزيزات عسكرية إلى المنطقة في محاولة لاحتواء التمرد ومنع اتساع  الاشتباكات. غير أن ما جرى كشف عن حقيقة مهمة، قبل أي تصعيد لاحق كان هناك تمرد مسلح منظم تقوده شخصيات عسكرية سابقة مرتبطة بالنظام المنهار، وبعضها متهم أصلًا بارتكاب انتهاكات خلال سنوات الثورة السورية.

‏كما أعلنت بعض هذه المجموعات لاحقاً تشكيل تنظيمات مسلحة جديدة في الساحل، في خطوة بدت محاولة واضحة لمواجهة السلطة الانتقالية واستعادة نفوذها القديم.

حسابات شخصية على حساب الوطن

‏لكنَّ السؤال الأهم هو: لماذا اختارت هذه المجموعات طريق التمرد والعنف بدل الانخراط في مسار سياسي أو قانوني؟

‏الاحتمال الأقرب أن بعض قادة هذا التمرد كانوا يدركون أنهم يواجهون مستقبلاً قانونياً معقداً، خاصة مع الاتهامات المتعلقة بجرائم حرب وانتهاكات حدثت خلال سنوات الصراع.

‏وفي مثل هذه الظروف قد يرى البعض في الفوضى وسيلة للهروب من العدالة، أو محاولة لفرض أنفسهم مجدداً كقوة أمر واقع.

لكنّ الثمن في مثل هذه الحالات يدفعه المدنيون أولاً

‏فخلال أيام قليلة فقط، اتسع نطاق العنف بشكل خطير. وتشير تقارير دولية إلى أن أحداث الساحل أسفرت عن مقتل أكثر من 1400 شخص، بينهم عدد كبير من المدنيين.

‏المشكلة أن العنف عندما يبدأ يصبح من الصعب السيطرة عليه. فالتمرد الأولي، ثم الرد العسكري عليه، فتحا الباب أمام سلسلة من الانتهاكات وأعمال الانتقام التي ارتكبها مسلحون من أطراف متعددة، وهو ما دفع جهات دولية إلى المطالبة بإجراء تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عنها.

السلم الأهلي هو الضحية الأولى

‏الخسائر البشرية لم تكن الخطر الوحيد في هذه الأحداث، فالأضرار التي لحقت بالنسيج الاجتماعي لا تقل خطورة.

الساحل السوري منطقة متعددة الطوائف والعائلات، يجعل أي توتر أمني فيها شديد الحساسية اجتماعيا، ويهدد السلم الأهلي الذي يحتاجه السوريون بشدة في هذه المرحلة.

‏وعندما يختار مسلحون إعادة إنتاج الصراع، فإنهم في الواقع لا يحمون مجتمعهم كما يدّعون، بل يضعونه في دائرة الخطر. فالمدنيون هم دائماً أول من يدفع الثمن، سواء عبر القتل أو النزوح أو الخوف الذي يرافق مثل هذه الأزمات.

‏ما حدث في الساحل يجب أن يُقرأ كتحذير واضح، فلا يمكن بناء دولة مستقرة بينما تحاول مجموعات مرتبطة بالماضي إعادة إشعال الصراع.

‏فالخلافات السياسية، مهما كانت عميقة، لا يمكن أن تتحول إلى تمرد مسلح دون أن يدفع المجتمع بأكمله الثمن.

‏الطريق الوحيد لتجنب تكرار مثل هذه المآسي هو ترسيخ دولة القانون، حيث يُحاسَب كل من ارتكب جريمة، وفي الوقت نفسه تُحمى حقوق المدنيين دون تمييز.

‏وفي النهاية، لا يمكن لسوريا أن تستقر بالقوة وحدها أو بالشعارات. الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى وعي جماعي بأن السلم الأهلي هو الثروة الأهم التي لا يجوز المجازفة بها من أجل حسابات شخصية أو سياسية ضيقة.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار