ضحايا وليسوا مجرمين: إنقاذ الشباب من غياهب المخدرات 

 

بقلم عمار أبو شاهين 

في كل عامٍ ومع إشراقة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات تتصدر المانشيتات الصحفية لغةٌ مكررةٌ ومألوفةٌ. أطنانٌ مصادرةٌ وشبكاتٌ مفككةٌ وأرقامٌ وإحصائياتٌ تتلى كدليل على الانتصار وملاحقاتٌ أمنيةٌ لا تتوقف. لا أحد ينكر أن هذه الجهود الجبارة تمثل درعاً ضرورياً لحماية المجتمع، وهي تستحق الإشادة والتقدير. لكن وسط صخب هذه الانتصارات التكتيكية هناك سؤالٌ جوهريٌّ وصامتٌ لا نجرؤ على طرحه بما يكفي. ماذا لو كنا ننظر إلى الهاوية من الزاوية الخاطئة؟ وماذا لو كانت المخدرات في عمقها ليست مجرد خرقٍ أمنيٍّ بل إعلانٌ صارخٌ عن أزمة أمل؟.

لا أحد يستيقظ في صباح يومٍ عاديٍّ ليقرر بملء إرادته أن يحول حياته وحياة من يحب إلى رماد من أجل نشوةٍ عابرةٍ. خلف كل قصة إدمانٍ هناك حكايةٌ أخرى أكثر قسوة وأقل ظهوراً للعلن. حكاية شابٍ فقد بوصلة المستقبل أو خريجٍ اصطدمت طموحاته العريضة بصخرة الفرص المنعدمة أو إنسانٍ وجد نفسه أعزلاً ومحاصراً في مواجهة طاحونة الضغوط المعيشية اليومية.

المخدرات غالباً لا تقرع أبواب شبابنا من مدخل البحث عن المتعة بل تتسلل بخبث من نوافذ الفراغ وتتغذى على هشاشة اليأس والرغبة العارمة في الهروب. حين يترسخ في ذهن الشاب قناعةٌ قاتلةٌ بأن اجتهاده لن يغير من واقعه شيئاً وأن الطريق نحو بناء حياةٍ كريمةٍ أصبح درباً من المستحيل يصبح حينها فريسةً سهلةً لأي وهم يمنحه تذكرة سفرٍ مؤقتةً خارج واقعه المرير. وهنا تكمن الجريمة المزدوجة للمخدرات فهي لا تكتفي ببيع الوهم المسموم بل تصادر الفرد وتغتال قدرته على الحلم والمقاومة.

إن اختزال معركتنا المصيرية ضد المخدرات في البندقية والمداهمة الأمنية وحدها يشبه إلى حد بعيد محاولة خفض حرارة مريض يعاني من التهابٍ مزمنٍ دون إعطائهِ المضاد الحيوي اللازم. نعم يجب أن نضرب بيدٍ من حديد كل من تسول له نفسه المتاجرة بأرواح شبابنا، ويجب أن تحاسب شبكات الترويج بكل حزمٍ وصرامةٍ. لكن من واجبنا الأخلاقي والوطني أيضاً أن نضع مجتمعنا بأسره تحت مجهر المساءلة، ونسأل عن البيئة الحاضنة التي سمحت لهذا الخطر بالتمدد. القاعدة الذهبية هنا بسيطةٌ بقدر ما هي مرعبةٌ وهي أن كل مساحةٍ ينسحب منها الأمل تتمدد فيها المخدرات تلقائياً. الوقاية الحقيقية تبدأ من بناء الجذور حيث تعتبر كل فرصة عملٍ حقيقيةٍ تخلق وكل مساحةٍ ثقافيةٍ أو رياضيةٍ تشرع أبوابها لاحتضان طاقات الشباب، وكل مبادرةٍ تنمويةٍ تمنح الفرد شعوراً بكرامته وقيمته في مجتمعه هي في صميمها أقوى سلاحٍ في ترسانة مكافحة المخدرات.

عندما نتحدث عن مدينةٍ كمدينة حماة التي نسجت هويتها التاريخية والاجتماعية من خيوط العمل الدؤوب والإنتاج الزراعي والصناعي والإرادة الصلبة التي لا تعرف الانكسار لا يمكن ولا يجوز أن تكون المواجهة فيها مجرد تقارير أمنية للضبطيات. إنها قضية هويةٍ ومجتمعٍ ينتفض ليحمي أبناءه من السقوط في بئر العدم. الشاب الحموي كغيره من شباب الوطن إذا ما امتلك هدفاً حقيقياً يقاتل من أجله، وإذا ما استشعر أن له مكاناً محفوظاً ودوراً فاعلاً ومستقبلاً يستحق العناء سيتحول إلى حصنٍ منيعٍ يصعب اختراقه أو جره إلى أي نفقٍ مظلمٍ.

في هذا اليوم الذي يذكرنا بحجم الكارثة ربما حان الوقت لنمزق المقاربات التقليدية ونعيد تعريف معركتنا بالكامل. نحن بحاجة إلى استراتيجيةٍ وطنيةٍ شاملةٍ تدمج بين المطرقة الأمنية وحاضنة التنمية. التحدي الأكبر والمهمة الأقدس الملقاة على عاتقنا جميعاً من مؤسساتٍ حكوميةٍ وقطاعٍ خاصٍ وإعلامٍ ومجتمعٍ مدنيٍّ لم تعد تقتصر فقط على منع وصول المخدرات إلى جيوب شبابنا بل تتمثل في استباق ذلك بخطوةٍ أكثر أهمية وهي أن نمنع وصول اليأس إلى قلوبهم أولاً. فحين نزرع الأمل نحن في الحقيقة نجتث المخدرات من جذورها.

#صحيفة- الفداء

المزيد...
آخر الأخبار