سقط القاتل في القفص وانتصر دم الشهداء في قاعة المحكمة

 

لم يتفاجأ السوريين في الحكم القضائي الذي صدر بحق رموز الإجرام الذي عاث فساداً وقتلاً في 14 سنة مضت خلال الثورة السورية، لأشخاص فتكوا بالمتظاهرين السلميين الذين نادوا بالحرية، وإسقاط نظام مستبد، فكان حكم الإعدام من الحكومة الجديدة والتي هي من الشعب نفسه أمراً منطقياً لشخص قاتل ومحرض على القتل والتعذيب.

ومن هنا يمكن نرى أن العدالة لم تعد في سوريا مجرد مطلب يردده الضحايا وأسرهم، ولا شعاراً مؤجلاً إلى مستقبل بعيد، فما جرى في قاعات المحاكم يضع هذا المطلب أمام اختبار عملي، مع بدء محاسبة عدد من المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت بحق السوريين على مدى سنوات.

هذه الجلسات لا تحمل أهمية قانونية فقط، بل تحمل معنى أكبر لعائلات الضحايا الذين انتظروا طويلاً لحظة يرون فيها من تسبب بآلامهم يقف أمام القضاء لا فوقه.

بالنسبة إلى كثير من الضحايا لا يمكن فصل هذه المحاكمات عن سنوات طويلة من الانتظار والقهر، سنوات لم يكن فيها الوصول إلى العدالة ممكناً بل مستحيلاً، وكانت فيها موازين القوة تحول دون محاسبة من ارتكبوا الانتهاكات فهم الخصم والحكم، فاليوم تغير المشهد وسقط القاتل ضمن القفص.

أسماء كانت لسنوات محاطة بالنفوذ والخوف تقف أمام القضاء، وتفتح الملفات وتعرض الأدلة وتسمع الشهادات، ويحصل الادعاء والدفاع على حقهما، ثم يصدر الحكم وفق ما تقرره المحكمة، وهنا تكمن أهمية هذه المرحلة.

فحين يرى الضحية أن من ارتكب بحقه جريمة يخضع للقانون فإن ذلك لا يعني فقط إنصاف شخص أو عائلة، بل يعني أن دماء الشهداء المطالبين بالحرية والعدالة لم تذهب سدى وأن الجميع مهما علت سلطتهم فهم تحت القانون لا فوقه.

فما يجري اليوم يجب أن يكون بداية لمسار أوسع يشمل مختلف ملفات الانتهاكات، ويكشف مصير المفقودين، وينصف الضحايا ويعيد بناء المؤسسات على قاعدة تمنع تكرار الجرائم والانتهاكات.

فالعدالة لا تقاس بعدد الأحكام وحده، وإنما بقدرتها على تحويل القانون إلى قاعدة ثابتة لا تستثني أحداً، وهنا تقع المسؤولية الأكبر على الحكومة الجديدة بأن تحمي استقلال القضاء، وأن تضمن سير المحاكمات وفق الأصول القانونية، وأن تترك للقضاء مهمته بعيداً عن التشفي والانتقام والضغوط.

فما يحتاجه السوريون اليوم ليس انتصار طرف على طرف وإنما انتصار القانون نفسه، فيجب أن يرى الضحية حقه يستعاد عبر المحكمة، وأن يدرك المتهم أن لا أحد يحميه من المسؤولية إذا ثبتت إدانته، وأن يعرف الجميع أن الدولة لا تدار بمنطق الثأر، بل بمنطق القانون.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار