الفداء
لم تكن “النملية”، مجرد خزانة خشبية صغيرة تقف في زاوية المطبخ، بأبواب تغطيها شبكة معدنية ناعمة، بل كانت وسيلة بسيطة لحفظ الطعام قبل انتشار البرادات الكهربائية.
فلم تكن تحتاج إلى الكهرباء، بل إلى مكان جيد التهوية بعيداً عن أشعة الشمس، وإلى يد أم أو جدة تعرف كيف ترتب الطعام وتحافظ عليه. هي إحدى قطع الأثاث التي غابت عن كثير من المطابخ، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة من عاشوا زمنها، بما تحمله من تفاصيل الحياة اليومية وعادات البيوت القديمة.
وعن هذه القطعة التراثية، التقت صحيفة الفداء عدداً من كبار السن الذين عاصروا وجود النملية في بيوتهم، واستعادوا ذكرياتهم معها، وتفاصيل الحياة اليومية قبل انتشار البرادات الكهربائية.
ذكريات دافئة وصوت الأمهات
تستذكر أم علي الأحمد (52 عاماً) نداء والدتها لها قائلة: “افتحي النملية وجيبي الجبنة والزعتر، وهاتي الخبز من الرف الثاني”، وتضيف أنها باتت تتحدث عن النملية أمام أبنائها الذين لا يعرفونها لتسرد لهم حكايتها، حيث اختصرت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية لجيل كامل عاش في زمن لم يكن فيه البراد قد احتل مكانه في البيوت بعد.
أما أم عبدو سواس (56 عاماً)، فتستعيد صورة مطبخ بيت أهلها القديم حيث كانت النملية حاضرة دائماً، وتضع فيها الخبز والجبنة واللبن واللحمة المحموسة “القاورما” وما يتبقى من وجبة الغداء. ولا تتحدث عنها بوصفها قطعة أثاث قديمة فحسب، بل تستحضرها وكأنها فرد من أفراد العائلة، متذكرة مكانها وأبوابها وحتى طريقة تنظيفها وتزيين رفوفها بالنايلون.
تصميم بسيط وحل عملي
وتقول أم تمام شبلي (60 عاماً)، والتي عاصرت وجود النملية في بيت أهلها واستمرت في استخدامها داخل بيتها لفترة من الزمن: “لم تكن النملية اختراعاً فاخراً، وإنما حلاً عملياً فرضته علينا ظروف الحياة قديماً قبل انتشار البرادات الكهربائية، وكنا ننظفها كل يوم تقريباً، وخاصة في فصل الصيف، ولم نكن نترك بابها مفتوحاً حتى لا يدخل النمل والذباب والحشرات”.
وتضيف أن النملية كانت تصنع من الخشب، وتحتوي على رفوف داخلية، فيما تغطى أبوابها بشبك معدني دقيق يسمح بمرور الهواء إلى داخلها، وكان يُحرص على وضعها في مكان مرتفع وجيد التهوية.
نمط استهلاك بلا إسراف
من جهته، يستذكر أبو محمد كردي، (62 عاماً) جانباً آخر من الحياة في ذلك الزمن قائلاً: “أيام زمان كنا نشتري حاجاتنا يومياً، ونطبخ الطعام ونأكله بسرعة حتى لا يبقى منه شيء لتخزينه، وكانت النملية تساعدنا على حفظ بعض الأشياء لليوم الثاني”.
وقد ارتبطت النملية بأسلوب حياة يعتمد على شراء الطعام بكميات محدودة والاعتماد على الأطعمة الطازجة.
أما ميادة جابري (55 عاماً)، فتستذكر الأطعمة التي كانت تضعها في النملية داخل بيتها، ومنها الخبز والأجبان وبعض منتجات الألبان والسمن البلدي والمربيات، إضافة إلى بعض الأطباق المطبوخة التي كان من الممكن الاحتفاظ بها لفترة قصيرة، وتقول: إن الهدر في الطعام لم يكن مألوفاً في حياتهم، وكانت كل لقمة يُحسب لها حساب.
ويستعيد عبد الله شامية (62 عاماً) طريقة التعامل مع النملية خلال فصل الصيف، موضحاً أن العائلات كانت تنتبه كثيراً إلى الطعام، ولم يكن من الممكن ترك اللحوم أو اللبن لفترات طويلة كما هو الحال اليوم، ففي الأيام الحارة لم تكن التهوية الطبيعية كافية دائماً لحفظ الأطعمة سريعة التلف، ولذلك اعتمدت العائلات على الطبخ اليومي
أما أم عمار عرفة (75 عاماً)، فتستعيد ذكرياتها مع النملية قائلة: “لو عندي النملية القديمة لحد اليوم، ما برميها، ليس لحاجتي لها، ولكنها تذكرني بأمي وبيتنا القديم”، وتتذكر فرحة العائلة عندما اشترى والدها البراد، إذ اجتمعوا حوله فرحين لوضع المزيد من الأطعمة فيه، وشراء حاجات تكفيهم لعدة أيام.
من المطبخ إلى الذاكرة
قد تبدو النملية القديمة لمن يعثر عليها اليوم مجرد خزانة عتيقة تحتاج إلى الترميم، لكنها بالنسبة إلى أصحابها تحمل ذكريات المطبخ القديم، ورائحة الخبز، وصوت صحون الطعام، وحركة الأمهات ما بين الموقد والنملية، ووجبة الأمس التي كانت تحفظ بعناية لتكون طعام اليوم التالي. وتبقى النملية حاضرة في الذاكرة، بما تختزنه من تفاصيل الحياة اليومية وعادات البيوت القديمة
#صحيفة_الفداء