الطوفة والزودة”.. حين غافل العاصي أسواق حماة في الذاكرة الشعبية

الفداء
تشير الذاكرة التاريخية لمدينة حماة إلى صراع سكانها المحليين الممدود مع تقلبات الطبيعة وقسوتها، إذ تعرضت المدينة عبر تاريخها الطويل لسلسلة من السيول التي عُرفت محلياً بـ “الطوفة” أو “الزودة”.
وكانت تلك الفيضانات سبباً في خسائر مادية وبشرية، نتيجة الموقع الفريد الذي تنخفض فيه المدينة عن مستوى مجرى نهر العاصي المحيط بها.
وفي خمسينات القرن الماضي، وكما ورد في كتاب “تاريخ حماة” للملك المؤيد أبو الفداء، وما وثقه أيضاً المؤلف الوليد مشوح في كتابه “نواعير حماة.. دراسة فنية وأثرية وتاريخية” الصادر عن وزارة الثقافة عام 1997، أدى ارتفاع منسوب المياه المفاجئ إلى اجتياح الأسواق والحوانيت وجرف المواد الغذائية كالأرز والطحين والزيت.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد لإتلاف الغلال الزراعية وتخريب البساتين والطواحين المائية، مسبباً أزمة معيشية خانقة تمثلت في ارتفاع أسعار الخبز نتيجة توقف طواحين الدقيق عن العمل.
ولم تقتصر الأضرار على الاقتصاد المحلي، بل تأثرت البنية العمرانية للمدينة بشكل مباشر؛ فنظراً لوقوع حماة في بقعة منخفضة تحيط بها المرتفعات ومجاري النهر المتعرجة، استدعى الأمر اتخاذ تدابير احترازية صارمة من قِبل بلدية حماة.
فقد عمدت البلدية إلى توجيه السكان نحو المناطق المرتفعة بواسطة إشارات مرسومة على الجدران، فضلاً عن لجوء أصحاب المحال لبناء جدران طينية قصيرة حمايةً لممتلكاتهم.
وفي خضم هذه القسوة، برزت أروع مظاهر التكافل الاجتماعي من خلال تطوع الرجال الأشداء لمساعدة العابرين على اجتياز السيول عند انحسارها المؤقت.
تعكس هذه الأحداث المناخية الحرجة طبيعة الحياة اليومية لأجدادنا في مدينة حماة، وقدرتهم الفريدة على التكيف مع الكوارث الطبيعية، لتحتفظ الذاكرة الشعبية بتلك الأزمات شاهدةً على عراقة المدينة.
#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار