الفداء
تُعد صناعة القش واحدة من أقدم الحرف اليدوية المرتبطة ببدايات الاستقرار الزراعي، حين وجد الفلاح نفسه أمام فائض حقول القمح والشعير بعد الحصاد، فحوّل الساق الجافة إلى أدوات نافعة خدمت البيت والمزرعة على مر السنين.
وقد استُخدم القش في صناعة الحبال والسلال والحصر والمكانس اليدوية، ودخل في تقوية الطوب الطيني المستخدم في البناء، إلى جانب ظهور فن زخرفة الأثاث بالقش، الذي عُرِف تاريخياً بـ “ذهب الفقراء”.
أدوات بسيطة ومراحل عمل جماعية
اعتمدت هذه الصناعة التقليدية على مواد أولية بسيطة، في مقدمتها قش القمح والشعير، ونباتات الحلفا والقصب والبوص، وأحياناً أغصان الزيتون والخروب الطرية.
وكانت عملية التصنيع تمر بمراحل متسلسلة تبدأ بالتجميع والتجفيف، ثم التليين بالنقع في الماء، يعقبها الجدل والنسج بـ “المخرز”، وأخيراً التزيين بقش مصبوغ بألوان طبيعية.
وأنتجت هذه الحرفة أدوات متعددة كالسلال والقفاف والأطباق والمكاييل وأقفاص الطيور. وكانت النساء والفلاحون يجتمعون عقب مواسم الحصاد لصناعتها، مما جعل منها حرفة جماعية عززت الروابط الاجتماعية وانتقلت بالتوارث بين الأجيال.
من بيوت الريف إلى الموضة والسياحة
ومع انتشار المواد البلاستيكية والمعادن، تراجع الاستخدام اليومي لأدوات القش، إلا أن منتجاتها ظلت حاضرة في العديد من القرى، وتمت إعادة توظيفها في مجالات معاصرة كالديكور والسياحة التراثية والموضة، حيث أضحت الحقائب والقبعات القشية جزءاً من الصيحات العالمية، وتُعرض الحصر والسلال اليوم في المعارض والأسواق الشعبية.
وتؤكد هذه الحرفة قدرة الإنسان على تحويل فائض الطبيعة إلى موارد نافعة، إذ إن إعادة إحيائها لا تعني مجرد الحفاظ على التراث، بل تمثل فرصة اقتصادية وبيئية واعدة تعيد إدماج الهوية التراثية في الاقتصاد المحلي المعاصر.
#صحيفة_الفداء