رحـــلة الـــزواج الحمــويــة و تقـــاليدهـــا

يقول الماضي : أين أيامي ؟ كنانحافظ على كل التفاصيل بحزم، و نورثها للأجيال بمحبة و بشدة ، فلا نملك تفاصيل تراثنا إلا من خلال الخبرات المتراكمة للحفاظ على العادات و التقاليد و الأصول ، منها ينبثق الاحترام و بالتالي القرب من الأطراف الأخرى ، فنقول للماضي: بالتأكيد معك حق ، لكن الحياة تقتضي التماشي مع التغيرات من حولنا ، التي بات لها علاقة مع كل حيثيات يومياتنا و الانتقالات من حالة إلى أخرى ، بالإضافة إلى أن بعض العادات أصابها التشوه من خلال التناقل الخاطئ و التقليد الأعمى ، ليبقى ضرورة الاحترام و الالتزام بما هو حقيقي .
الزواج في حماة
يعد مهر الزواج في حماة من أغلى المهور على الإطلاق ، و يبدو هذا من أهم الأسباب في تأخر الشباب عن الزواج ، و زيادة نسبة ما يسمى العنوسة ، لكن الزواج بالأساس هو رباط روحي لا يمكن تقييده بالمال ، فمن يحذو غير ذلك ليعيد النظر بذاته ، لكن أحيانا العادات و التقاليد تفرض نفسها عند بعض حلقات المجتمع المغلقة ، و يختبئ البعض الآخر وراءها .
الخطبة
يتم طلب الزواج من قبل الشاب في حماة ، عند وصوله لسن معين ، و اكتمال جاهزيته العامة للإقدام على هذه الخطوة ، فتبدأ رحلة البحث عن عروس التي تقوم بها مديرة العلاقات الإنسانية ( الخاطبة ) ، و أحيانا تقود الصدف أن يكون الزواج عن طريق المعارف و الأقرباء ، فتبدأ الخاطبة بالبحث عن الفتاة المناسبة للعائلة و لطلب الشاب نفسه ، و تلتقي بعدها مع والدة العريس لتسرد الميزات الفنية و التعبوية لمجموعة الصبايا التي وقعن ضمن دائرة المواصفات المطلوبة ، هنا يتم اختيار العروس المناسبة طبعا بالاستعانة بصورها التي بحوزة الخاطبة ، فتقوم والدة العريس بالاتصال بوالدة العروس و أخذ موعد لرؤية ابنتهم بغرض الزواج ، و يمكن ان تقوم بهذا التنسيق الخطابة أيضا ، و تذهب في أول زيارة الأم و ابنتها و أختها و الخطابة التي تعرف العائلتان على بعضهما ، هنا تدخل الفتاة ( العروس ) لتقدم القهوة ، فتلتهمها العيون (الخبيرة) و تنطلق إليها سهام المدائح ، مثل : ما تبلى هالطلة ، يا أرض احفظي ما عليك ، تجلس فترة وجيزة جدا و تترك الغرفة بناء على إشارة من أمها …
الشوفة
فتبدأ والدة الشاب بسرد مواصفات ابنها و عمله و منزله و ما يملكه ، و هذه إشارة أولى لقبول الفتاة ، و في حماة لا يخبرون عن اسم العائلة ( الكنية ) إلا عندما يتم النصيب ، و يتم طلب الفتاة بنفس الجلسة ، بعدها تنتقل دفة القيادة لوالدة الفتاة التي تطلب مهلة لسؤال والد الفتاة ، هنا يقوم الوالد بالسؤال قدر ما أمكن عن الشاب قبل تحديد موعد لزيارة ثانية ، و هي الخطوة الثانية في مشوار القبول الطويل ، ليأتي الشاب برفقة أبيه و أمه ، و تكون الزيارة بقصد رؤية الفتاة لأول مرة ، لكن يجب أن يحضر العريس معه قطعة مصاغ ذهبي كثمن لرؤية العروس ، تسمى في العادات الحموية ( الشوفة ) ، فإن أعجبته قدم الشوفة ، و إن أخذتها العروس كانت الموافقة المبدئية للخطوبة .
الجاهة
بعدها يتم تحديد موعد رسمي و تأتي الجاهة برفقة العريس و أهله ، و بالعادة تكون من رجالات العائلة الكبار سنا و قدرأ ، و يمكن أن تضم بعض الوجوه العامة المعروفة ، و يشار إلى أن زيادة عدد الجاهة هو تقدير واضح لأهل العروس ، و تأتي الجاهة للاتفاق على المهر المكون من الذهب و ملبوس البدن و صداق العروس و يكون المؤخر هو الرقم الأكبر ، حيث يعد كما ذكرنا المهر في حماة أكبر من باقي المحافظات التي يكون فيها المهر لايتعدى المليون ، بينما في حماة يكون عدة ملايين ، بعدها و في يوم الجاهة ينتقل الجميع إلى أرض الديار أو إلى غرفة ثانية لتناول الوليمة المتعارف عليها في مثل هذا اليوم و تقدمها عائلة العروس و تحمل من التباهي و المغالاة أكثر من التقدير و الاحترام ، حيث تقوم العائلة بطبخ – تقريبا – كل الأكلات الشعبية و الحلويات …
حفلة الخطوبة
بتقديم الوليمة تبدأ الحفلة و التي يسبقها شراء المصاغ الذهبي المطلوب و المتفق عليه ، و بالعادة يتكون من عقد و حلق و أساور و خواتم ، حيث يلبسه العريس لعروسه في حفلة الخطوبة بعد وضعه على صينية و يعرض على جميع الحاضرين ، مع تقديم ( المطبقية ) و هي عبارة عن صرة صغيرة ممكن أن تحتوي على قطعة زجاجية صغيرة مع حبات الملبس ، لكن لا بد و قبيل الحفلة ( عقد القران ) الذي يكون بكتاب براني من قبل الشيخ المعتمد لهذا الغرض ، و لا يكون هذا الكتاب مثبت بالمحكمة و الغاية الأولى منه إزالة ما يسمى المانع الشرعي ، ليكون مباحاً للعريس أن يرى العروس بلا حجاب ، و لا بد من تقديم النقوط في الحفلة من قبل عمات و خالات الشاب ، و يجب أن يكون ذلك تحت أنظار الحضور جميعا …
الجهاز
بعد إرساء و تثبيت الخطوات الأولى في رحلة الزواج الحموي ، يبدأ تجهيز العروس ، و يكون ذلك بما يخصها من ملابس و حاجيات شخصية ، و في بعض الحالات يتضمن الجهاز آلة خياطة ، و بالعادة يكون على نفقة العريس ، أو إذا كان والد العروس ميسور الحال ، فإنه يطلب أن يتكفل بالجهاز كاملا ، أو يأخذ مقدارا من المهر و يضيف مثله و يحضر جهاز ابنته ، و لا بد أن تخرج العروس مع جهازها (هدية) لكل من حماها و حماتها ، لتقدم الهدية صباحية عرسها ، و في بعض العائلات يجب أن تقبل يد أهلها الجدد مع تقديم الهدية …
حفلة مد الجهاز
بعد الانتهاء من شراء كل مفردات الجهاز ، تقوم أم العريس بحفلة ( على الضيق ) تضم العمات و الخالات و النساء المقربات من الطرفين ، و خلال الحفلة يتم عرض محتويات الجهاز على الحاضرين جميعا و بالدور قطعة قطعة ، يترافق مع الهناهين و الزلاغيط و بعض الأغاني الشعبية ، و لا تتم الحفلة إلا بوجبة طعام مفتخرة ، ثم يقوم الحاضرون بتوضيب الأغراض في مكانها.
حفل العرس
تسبق حفلة العرس ، حفلة تسمى الصمدة ، حيث تقام في بيت العروس و لا تستمر طويلا ، في أطول مدة ساعتين ، تحضرها فتيات العائلة مع بعض الجيران و بعض النساء ، و من الممكن و الجائز بانه من يدعى للصمدة لا يدعى للعرس ، و تنتهي الصمدة بقدوم أهل العريس لتوصيل العروس لمكان العرس ، برفقة أمها و بنات عماتها و خالاتها و صديقاتها المقربين ، ضمن زفة طويلة لعرض العضلات أمام أهل العريس ، تبدل العروس فيها كل الأثواب التي اشترتها بالجهاز حتى تصل للثوب الأبيض و تستقبل العريس فيه ، أما العريس فتقام له حفلة تسمى التلبيسة ، على غرار المولد النبوي ، و لا يمكن إغفال العراضة الحموية، فيكون حوله كل المحبين و يصحبوه للحلاق و يعطروه ، و من ثم يدخل صالة العرس برفقة أبيه ، فتقوم العروس بتقبيل يد حماها ، و هنا تقوم والدة العريس بتقديم قطعة ذهبية هدية شخصية منها للكنة الجديدة ، هنا يخرج العريس من الحفل ، و يعود بعد ساعة ليأخذ عروسه و تنتهي حفلة العرس .
ملحقات
في أول صباح للعروسين تأتي والدة العريس و تقدم نقوط لهما ، و تحضر وجبة فطور دسمة ، بدورها العروس تقبل يد حماتها و تقدم هدية لها ، و خلال أسبوع أو أكثر تقام حفلة نسائية تسمى المباركة أو التهناية ، أساسها الهناهين و الزلاغيط و المجاملات العائلية و كل الحاضرات يجب عليهن تقديم هدايا نقوط البيت الجديد ، و بذلك تكون نهاية تفاصيل الزواج الماراثوني في حماة .
المحرر
حاولنا في مادتنا هذه ، عرض كل خطوات الالتزام بالأعراف و التقاليد المحلية الحموية الخاصة بالزواج و بالتالي تكوين الأسرة ببساطة ، لأنه و دائما هنالك خلافات و اختلافات زائدة تعقد سير الأمور و ممكن أن تنهي المشوار قبل اكتماله ، و هذا بالتحديد ما نود الإشارة له ، فمن الجميل بمكان الالتزام بالتراث ، لكن ليس لجهة زيادة الأعباء و كثرة الطلبات ، فالطرفين من حقهما الطبيعي إنشاء أسرة و هذا بحد ذاته يحتاج للدعم و المساعدة ، و إن كان الزواج أحد أهم مفردات الحياة و أسماها فيجب تأطيره بالمحبة و الصدق ، لا بإرهاق الأطراف جميعاً و حصارها ، و من تكون من الفتيات جاعلة الزواج لتحصيل أكثر المكتسبات ، فلتعيد النظر بفكرها و تفكيرها ، لأن الحياة لا تقف عند مصاغ ذهبي و لا قطع أثاث ، فكونوا يسيرين بما أنزل الله ، و حافظوا على التقاليد و العادات التي تدعو للحب و الألفة و المستقبل الواضح .
شريف اليازجي

المزيد...
آخر الأخبار