المتقاعدون ضرورة الاستفادة من خبرتهم ومراعاة ظروفهم

لاشك أننا في حاجة إلى معرفة الكيفية الصحيحة للتعامل مع المُتقاعد في مجتمعنا ، وإن كانت هذه الكيفية غير مُحددة في نمطٍ معينٍ من التعامل ؛ إذ إن لكل متقاعدٍ حالته الخاصة وظروفه المعينة التي تفرض على من حوله كيفية التعامل المناسبة له ولكن يمكن الحديث بصفةٍ عامة عن هذا الشأن.

حالات من المجتمع تقول وداد السعيد : بعد تقاعد زوجي تغيرت نفسيته كثيراً، حيث أصبح عصبياً وقليل الصبر، يتدخل في كل شيء، ويغضب لأقل أمر، ويعلق على أتفه الأمور، فيسبب منها مشكلة، وقد انعكست الأمور فصرت أهرب من المنزل حتى لا يفتعل مشكلة.
توافقها الرأي أم محمد فتقول : أحاول أن أخرج زوجي من الكآبة التي أصابته بعد تقاعده، فقد أصبح كثير الملل، مكتئباً بشكل دائم، عصبي المزاج، أشغله ببعض الطلبات والإصلاحات داخل المنزل، وأحدثه عن ضرورة خروجه خارج المنزل للتنزه وزيارة الأصدقاء، وأتمنى أن يجد عملاً سهلاً يخرجه من هذا الشعور.
رامي قال : بعد أن تقاعد والدي من علمه، عملت وأخوتي على ان نفتح له دكاناً صغيراً يجلس فيه للتسلية فقط وليس يغرض الربح، كي لايشعر بالوحدة أو الملل، وهو يستقبل أيضاً أصدقاءه من المتقاعدين، ويجلسون لساعات طويلة يلعبون «الطاولة»، المهم أن يتسلى.
الدعم النفسي ضروري
للتعرف أكثر على كيفية التعامل مع المتقاعد، كان لا بد من سؤال أهل الاختصاص فالتقينا الدكتور الاختصاصي بالصحة النفسية فيصل الراضي حيث قال : لا بد للأُسرة التي ينتمي إليها المتقاعد أن تُدرك أنه في حاجةٍ إلى شيءٍ من المراعاة ، ولاسيما في بداية فترة تقاعده ، حيث جرت العادة أن يصيب فئةً كبيرة من المُتقاعدين شيءٌ من الهم والقلق الناتج عن شعورهم ( الخاطئ ) بأنهم أصبحوا هامشيين ، وأن المجتمع قد لفظهم ، وأنهم يُمثلون عبئاً اجتماعياً على أُسرهم ومجتمعهم مُعللين ذلك بأنه لم يعد في حاجةٍ إليهم .
فكان من الواجب على الأُسرة أن تُراعي أن هذا المُتقاعد يحتاج إلى شيءٍ من اللطف في التعامل ، والدعم النفسي الأُسري لغرض امتصاص بعض التوتر الذي عادةً ما يُعاني منه المتقاعد في هذه المرحلة الانتقالية عن طريق العمل على عدم إشعاره بالفراغ ، وأن يحرص أفراد الأُسرة من الأبناء والبنات والأحفاد والأقارب على الإكثار من السؤال عنه والاقتراب منه ، زيارته قدر المُستطاع ، حيث أشارت بعض الدراسات إلى أن لمثل هذا السؤال ونحوها من الزيارات وقعاً طيباً ، وأثراً فاعلاً في نفس المُتقاعد، ولاسيما إذا كان ممن يُعانون من بعض المتاعب الصحية وهن لابُد من الإشارة إلى أن طريقة التعامل مع المتقاعد خلال هذه المرحلة الجديدة على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية والحساسية ، إذ إنها هي التي ( غالباً ) ما تحدِّد للمتقاعد ما إذا كان دوره قد انتهى ، أو أنه لا يزال قادراً على العطاء ،كما أن من أهم المسؤوليات الاجتماعية – التي تشترك فيها مختلف المؤسسات الاجتماعية – تجاه المتقاعدين أن تتوافر بعض المرافق المناسبة والمُلائمة التي يمكن أن تُقدم خدماتٍ خاصةٍ بالمتقاعدين ، والتي منها على سبيل المثال : أندية المُتقاعدين التي يُفترض أن توجد في كل مدينةٍ وكل قرية ، وهي مطلبٌ اجتماعي هامٌ ولازم وبخاصةٍ في هذا العصر ، إذ إنها تعمل على استقبالهم ، وتلبية مطالبهم ، كما أنها معنيةٌ بأن تتيح لهم ممارسة بعض الأنشطة الرياضية ( مهما كانت يسيرة ) ، والأنشطة الثقافية المناسبة، وتنظيم الرحلات والزيارات القصيرة ، وعقد الأمسيات واللقاءات التي تجمعهم بنظرائهم ، وتسمح لهم بصرف جزءٍ من أوقاتهم فيما يُريحهم نفسياً ، ويخرجهم من عزلتهم وكآبتهم ، ويمنحهم الثقة بأنفسهم وبمن حولهم، ويحفظ لهم مكانتهم.
كيفية التعامل
أما عن سؤالنا عن الكيفية التي يجب أن يتعامل المُتقاعد من خلالها مع وضعه الجديد بعد التقاعد يجيبنا الدكتور فيصل: يمكن الإشارة إليها بعمومياتٍ تبدأ بضرورة معرفة واقع الحال الذي يفرض على الإنسان تهيئة نفسه لمرحلة ما بعد التقاعد ، وعدم الاستسلام للفراغ القاتل بدعوى الراحة، فليست الراحة في الفراغ والنوم وعدم الاشتغال بشيءٍ من مهام الحياة ، ولذلك فقد أوصت بعض الدراسات بأن على المُتقاعد أن يحاول إشغال وقته بهواية معينة ، أو عمل ما مهما كان يسيراً بحيث يتمكن من الخروج من البيت ، وقضاء بعض الوقت في ممارسته والانشغال به ، ولاسيما أن النفس البشرية ( في الغالب ) تأبى الشعور بالهامشية والفراغ فكم هو جميلٌ أن يُخصص المتقاعد جزءاً من وقته اليومي لقراءة كتاب ، وهنا يمكن الإشارة إلى أن الحفظ والمراجعة تنشط الذاكرة وتجعلها تعمل باستمرار ما يمكنه أن يكون كنوع من إشغال الفكر والذاكرة لكي لا تتعود على الكسل، فيكثر النسيان واللامبالاة. وأن يُكثر المُتقاعد من المشي في الطبيعة لأنها تعمل على إراحة النفس والأبدان معاً ، وهذه الحركة تبعد المرض من خلال السير وهو أكثر ما يحتاج إليه من وصل هذا السن، فضلاً عن الهواء النظيف الذي يغذي الرئتين، كما أن النفس ترتاح عند رؤية المناظر الطبيعية الجميلة الخلابة التي تمتاز بها بلادنا. وأن يحرص المُتقاعد على حضور بعض الدروس العلمية والمحاضرات الثقافية في المراكز الثقافية المنتشرة ومن الأفضل أن ينظم المتقاعد جزءاً وقته ليشتمل على برنامجٍ ثابتٍ يقوم من خلاله بالتواصل مع الزملاء ، والأصحاب ، والأقران ، والأقارب ، والجيران ، ونحوهم من خلال الزيارات المتبادلة ، والاتصالات الهاتفية ، ونحو ذلك كما علينا أن نشغله ببعض الأعمال التجارية اليسيرة كالبيع والشراء في بعض أنواع التجارة الحرة الممكنة ، ونحو ذلك من الأعمال التي لا مشقة فيها والتي تُناسب وضعه الصحي والمالي .أو أن يتعاون المتقاعد مع بعض الجمعيات الخيرية أو التعاونية ، أو مراكز التنمية الاجتماعية لإفادتهم بخبراته المختلفة في بعض الأنشطة التي يُقدمونها للمجتمع. هذه بعض الأفكار التي من الممكن أن نعمل عليها لنعيد للمتقاعد الأمل بالحياة، ولنشعره أنه لايزال إنسانا له قيمته الكبيرة، وحاملاً لخبرات لا يمكن الاستغناء عنها.
ازدهار صقور

 

 

المزيد...
آخر الأخبار