*الحب في التراث العربي ..* بقلم رامية الملوحي

 

أسئلة قد تراود الكثير ..
كيف تشكلت عاطفة الحب عبر العصور..؟
كيف نظرت إليها مختلف الثقافات ..؟
إلى أي مدى اختلط الحب الفردي بالحب الجسدي ..؟
لقد ارتبط تفسير الحب بالتوجهات الفلسفية والآراء التي كانت سائدة حوله في مختلف الحضارات . فعند اليونانيين القدماء عُرِفت أنواع من الحب :
/ إيروس / .. وهو الحب الجسدي الخليع وهي عاطفة أحادية الجانب ..
/ الأجابية / وهو الحب الذي يقوم على عاطفة وعلاقة متبادلة .
/ فيليا / نوع من الحب أي عاطفة الصداقة المتبادلة القائمة على المساواة وتتمثل في الحب الإنساني الخالص الذي يجمع بين شخصين .. وهناك نمط آخرمن الحب ..
ـ الحب الرومانطيقي : هو الحب الخالص المقترن بالآلام  والحزن واليأس ويعلم المحبون في مثل هذا الحب بأن عاطفتهم محرمة وليس لها أي مخرج حتى في الزواج وليس هناك غير اليأس والقنوط فإن هذا النوع من الحب لم يكن موجودا في الواقع إلا في الخيال أو في التصور .
ـ الحب العذري : هو حب بصري أو حب شوق وحنين والبعد فيه ، بعد في المكان والزمان ويعيش فيه المحب ألم وحزن  وفراق حتى الجنون والموت .. وهو معروف في بعض القبائل العربية ..
أما في الغرب عُِرف الحب العذري وتطور ضمن الشعر الغنائي والشعر
/ التروبادوري / وكان في بعض الأحيان حباً مفتعلاً لم يكن سوى إرضاء الحاجة الأدبية المعروفة .
ـ وفي القرون الوسطى خصص العشرات من المؤلفين العرب كتاباً لموضوع العشق والحب فعالجوه من وجهات نظر مختلفة انطلاقاً منها في تكوينهم الثقافي واعتقاداتهم .
ـ وكان الجاحظ / 776 ـ 869 م / واحداً من أهم الكتاب الذين تناولوا مفهوم الحب والعشق من وجهة نظر عقلانية وعارض فكرة المتعة واللذة في الحب وتوجه إلى العرافين بدعوة يطلب فيها أن يقوموا بمواجهة هذا المرض الذي يهدد النفس الإنسانية ، ويستعبد الرجال ، وأدان الكثير من المشرعين والفلاسفة والكتاب دور / القينة / واتهموها بإثارة ونشر الفساد في المجتمعات العربية .
آراء فلسفية وطبية في الحب …
في السطور التالية إشارات لمؤلفات بعض الكتاب العرب الذين برزوا في ميدان الطب أو مارسوا الاثنين معاً . وسنتعرض لآرائهم بخصوص الحب كظاهرة إجتماعية أو فردية تستحق الأهتمام .

1ـ ابن حزم وطوق الحمامة : ابن حزم هو واحد من كبار المطلعين على الفكر العربي وعلى الأخص في عاصمته العلمية والثقافية بغداد عاش بين /994- 1063م / كتب ابن حزم كتابة في الحب .
/ طوق الحمامة / بمدينة شاطبه الإسبانية سنة / 1022م / والذي تطرق فيه إلى جملة من الأمور المتعلقة بهذه العاطفة وعرض نظريته حول مفهومه وتأثيره وأغراضه لدى المحبين .
ابن حزم في طوق الحمامة ..كان قد طور نظرية حول الحب الموجه توجيها روحياً والذي استلهمه من كتاب عالم اللاهوت البغدادي ابن داود بعنوان
/ كتاب الزهرة / والذي يتناول فيه مؤلفه في مئة فصل تصرفات وسلوكيات بني عذره في الحب والقائمة على أساس نوع من المثالية .
2- الرازي : أبو بكر محمد بن زكريا الرازي ( ت 923 م في بغداد ) هو واحد من أكبر الأطباء العرب وقد عرف بألقاب عديدة ومنها ( جالينوس العرب ) وهو صاحب كتاب / الحاوي / .
الرازي كغيره من مؤلفي عصره ، يعتبر العشق بلية وينصح بالابتعاد عنه وتجنبه والعشق في نظره للمخنثين وأشباه الرجال الذين ليست لديهم أية مشاغل ولا يتبعون سوى شهواتهم التي يرغبون في إشباعها بأي ثمن .
3- محمد بن يوسف العامري النيسابوري : هو مؤلف كتاب / السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية / عاش المؤلف في القرن العاشر الميلادي وكانت وفاته سنة ( 992 م ) يتناول في كتابه السلوك الإنساني معلقا نظره أبدا في هدف السعادة وفي الفصول الخاصة بموضوع الحب يشير الى وجهات نظر فلسفية سابقة على زمنه ثم يعلق على تلك الآراء ، إن عاطفة الحب في نظر النيسابوري هي ( انفعال بلذة المحبوب ونزاع الى أن يتصل انفعاله والتخوف من الانقطاع وشغف بالمحبوب حتى لايريد بدلا عنه ) .
4- ابن سينا / 980 – 1037 / : هو الفيلسوف والطبيب ، يحلل ابن سينا العشق وأعراضه وما يقاسيه العاشق ثم علاج هذا المرض .. ويعرف المؤلف العشق بقوله :
هو مرض وسواسي شبيه / بالما لنخوليا / يكون الإنسان قد جلبه نفسه / من كتابه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل التي له .. ابن سينا كتاب بلا تاريخ / 71- 72 / . وإنه يقارن العشق بمرض الكآبة القوية والحادة التي تتسلط على بعض الأشخاص في ظروف معينة .
3ـ أعراضه : غور العين ويبسها وعدم الدمع إلا عند البكاء وحركة متصلة بالجفن ضّحاكة .. كأنه ينظر إلى شيء لذيذ ويسمع خبراً ساراً ويمزح ويكون نفَسَه كثير الانقطاع أو الاسترداد وكثير الصعداء ويتغير حاله إلى فرح وضحك أو إلى غم وبكاء عند سماع الغزل ولا سيما عند ذكر الهجر والنوى / ابن سينا كتاب بلا تاريخ 72 / .

وتتالت القرون وبقي الحب يعيش في أفئدة المحبين مؤججاً مشاعرهم ساكناً أرواحهم يتغنون به يكتبون أحلى القصائد الشعرية على شطآنه رغم عصر التقنية الحديثة والتكنولوجيا العصرية والآلة التي أصبحت تتحكم بالنشر استمر صامداً ، ولازال هو الشيء الوحيد الذي يربطنا باستمرار حياتنا .. إلاأن بعض الحالات التي استغلت الحب  بسموه وروعته لأغراض رخيصة تكاد تشوه جمال الحب وسحره وسعادته التي لا توازيها سعادة وعلاقة إنسانية راقية لا مثيل لها من علاقه .

المزيد...
آخر الأخبار