من “التنسيقيات” إلى “الإعمار”: تحولات النضال السوري في عيون جيلين 2011-2026  

 

الفداء_ بقلم عمار أبو شاهين

 

شهدت سوريا تحولاً جذرياً في الأولويات الوطنية، حيث يقود “جيل ما بعد التحرير”، مسيرة صياغة عقد اجتماعي جديد يطوي صفحة عقد ونصف من الحرب الهمجية التي شنها النظام البائد على الشعب السوري. ينتقل هذا الجيل من لغة الاحتجاج التي بدأت عام 2011، إلى “واقعية اقتصادية” تضع الإعمار والخدمات في مقدمة الأجندة الوطنية. يرتكز هذا التحول، الذي وثّقته استطلاعات الرأي الأخيرة بنسبة تفاؤل بلغت 63%، على بروز جيل جديد يعتمد الاستقرار المهني والتقني كبديل عن الشعارات الكبرى، وذلك وسط تحديات اقتصادية هائلة، وتكلفة إعمار تقدر بنحو 216 مليار دولار, وفقاً لتقديرات البنك الدولي الصادرة في أكتوبر 2025.

يستذكر أبناء سوريا بمرارة وفخر، مسيرة “جيل 2011″، أو ما يُعرف بـ “طليعة الثورة”، وهم الشباب الذين كانوا في مقتبل العمر حين انطلقت شرارة التحولات الكبرى. الباحثون في “المبادرة العربية للإصلاح”، وهي مركز أبحاث وتفكير مستقل يعمل على تعزيز الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي عبر دراسات السياسات العامة، يصفون هذا الجيل بأنه دفع الثمن الأكبر نتيجة انخراطه في نشاط ميداني وإغاثي أدى في النهاية إلى تعطّل مساراته المهنية والشخصية.

فيما تؤكد دراسة صدرت عن مركز أبحاث كندي في يوليو 2025، أن هذا الجيل، الذي يتوزع أفراده اليوم بين الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، يعاني من آثار نفسية عميقة، وفقدان لسنوات التعليم والفرص الوظيفية، مما أفرز حالة من السخرية السياسية تجاه العمل التقليدي بعد تجارب قاسية من النزوح واللجوء.

يبرزُ على الطرف الآخر “جيل 2026″، المكون أساساً من مواليد ما بعد عام 1997، والذين نشؤوا في ظل الأزمات، لكنهم باتوا يمتلكون اليوم مهارات تقنية لم تتوفر لمن سبقهم. تكشف تقارير منظمة اليونيسيف الصادرة في فبراير 2026، أن الشباب السوري لا ينتظر المعونات الدولية كحل مستدام، بل يسعى بنشاط لانتزاع فرص العمل، وإطلاق المشاريع الصغيرة.

يقود هؤلاء الشباب اليوم مبادرات ميدانية واسعة لترميم المدارس والمرافق العامة في مختلف المحافظات السورية، من حماة إلى حلب، ومن درعا إلى الرقة، حيث أعادوا فتح الجامعات وباشروا بتأسيس حاضنات للأعمال التقنية.

تُظهرُ المقارنة السردية بين المسارين، تبايناً واضحاً في الأدوات والغايات، فبينما كانت “المظاهرة” و”التنسيقية” هي الوسائل السيادية لجيل 2011 الساعي للتغيير الجذري، يعتمد جيل 2026 على “التطبيقات الذكية”، و”ريادة الأعمال”، و”المهارات الرقمية”، كأدوات للتعافي. يتبنى جيل ما بعد التحرير نهجاً “براغماتياً” يرى في تأمين الكهرباء والخدمات والوظائف حجر الزاوية لأي استقرار سياسي مستقبلي، مبتعداً عن القوالب الأيديولوجية التي استهلكت طاقات الجيل السابق، ويرى جيل 2011 في الشباب الجدد “ورثة شرعيين” لمكاسب التغيير، بينما ينظر جيل 2026 بتقدير لمن “دفعوا الثمن” ومهدوا الطريق أمامهم بدمائهم وسنوات عمرهم.

تواجه سوريا واقعاً معيشياً مريراً، يضع نسبة كبيرة من السكان تحت خط الفقر، مع وجود ملايين الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، مما يضع ثقلاً مضاعفاً على عاتق الشباب. تعرقل ترسبات الفساد والمحسوبية، إلى جانب التفتت الاجتماعي الناتج عن سنوات النزوح، مسيرة التعافي السريع التي يطمح إليها المجتمع.

تبقى قدرة السوريين على دمج “ذاكرة التجربة”، مع “طاقة الابتكار”، هي الرهان الحقيقي للخروج من عنق الزجاجة وتجاوز آثار الحرب. يمثل عام 2026 المنعطف التاريخي الذي طال انتظاره، فإما أن ينجح هذا التلاحم الجيلي في تحويل الأنقاض إلى أسس متينة لبناء الدولة، أو تبقى الخلافات البينية عائقاً أمام طموحات جيل كامل يرفض أن تضيع أحلامه كما ضاعت أحلام من سبقوه. يرفع الشباب اليوم شعاراً واحداً في كل المحافظات: “العمل هو السياسة الجديدة لسوريا”.

 

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار