الفداء- بقلم علي الجاسم
شهدت علاقة المواطن بالمؤسسة العامة في سوريا، تحولاً ملحوظاً خلال العامين الماضيين، بعد عقود من حكم النظام البائد، الذي أدار مؤسسات الدولة بعقلية “المزرعة”، حيث تعقدت الإجراءات، وطال انتظار المواطنين، وانتشر الفساد والرشاوى والمحسوبيات، وغابت الشفافية حتى أصبحت أبسط المعاملات مرهونة بالوساطات والنفوذ.

وقد أسهمت هذه السياسات القمعية ومنظومة الفساد، في إشعال شرارة “الثورة السورية” التي خرجت مطالبة بالكرامة والعدالة، وإنهاء منظومة الاستبداد.
ومع انتصار الثورة، بدأت مرحلة تفكيك تلك البنية الإدارية الفاسدة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر كفاءة ونزاهة، وانعكس ذلك في تبسيط الإجراءات، وتنظيم الخدمات، والتوسع في التحول الرقمي، وربط المعاملات بأنظمة إلكترونية، ما أسهم في تسريع الإنجاز، وتحسين الأداء، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
من التعقيد الإداري إلى الخدمات الرقمية المنظمة
في سياق هذا التحول، برزت آليات تقديم الخدمات بوصفها أحد أهم محاور التغيير العملي، فقد اتجهت المؤسسات العامة إلى إعادة تنظيم إجراءاتها الداخلية، وتحديد مسارات واضحة للمعاملات، مع تقليص حلقات المراجعة وتوحيد المتطلبات، بما انعكس على زمن الإنجاز ودقة التنفيذ.
وشهدت المرحلة الأخيرة، توسعاً ملحوظاً في اعتماد وسائل الدفع الإلكتروني، إذ أصبح تسديد الفواتير يتم عبر منصات رقمية معتمدة، كما بات بإمكان الطلبة تسديد الرسوم الجامعية إلكترونياً، ما خفف الازدحام وسهّل إنجاز المعاملات.
وفي الإطار ذاته، تم اعتماد آلية صرف الرواتب عبر حسابات “شام كاش” للعاملين في القطاعين العام والخاص، حيث يعتبر تطبيق “شام كاش” الذي اعتمدته الحكومة السورية الجديدة وأتاحته لجميع المواطنين، من أبرز أدوات تسهيل التعاملات المالية اليومية، إذ أسهم في تقليل الاعتماد على النقد المباشر، وتخفيف مشكلات نقل العملة وتداولها، لا سيما في ظل انخفاض قيمتها، وما يرافق ذلك من صعوبات في النقل.
وقد أتاح التطبيق، تحويل الأموال وتسديد المدفوعات بصورة أسرع وأكثر تنظيماً، ما عزّز انسيابية الحركة المالية داخل السوق المحلي.

وضمن مسار الرقمنة أيضاً، أطلقت وزارة الداخلية السورية تطبيقها الرقمي “صوتك وصل”، لتسهيل وصول المواطنين إلى خدماتها الرسمية بسرعة ومن أي مكان، متيحاً الاستعلام عن منع السفر، ومتابعة حالة الموقوفين، وتقديم الشكاوى ومتابعتها بشكل مباشر عبر منصة موحدة.
وفي مقابل هذا المسار المتدرج نحو تثبيت الخدمات الرقمية، يبرز أحد الأمثلة على تعثّر النهج السابق في إدارة ملفات التحول الإلكتروني، ففي 9 تموز 2023 أصدرت حكومة النظام البائد قراراً يقضي باستيفاء الرسوم الدراسية عبر الحسابات المصرفية حصراً، قبل أن يتراجع مجلس الوزراء عنه في 12 أيلول من العام نفسه، ويسمح بالسداد بوسائل نقدية ومصرفية متعددة، متخلياً عن إلزامية الدفع الإلكتروني دون توضيح الأسباب.
هذا التراجع آنذاك، عكس غياب القدرة على تثبيت آليات تنفيذية مستقرة، في حين يعكس المسار الحالي سعياً إلى ترسيخ أدوات رقمية قابلة للاستمرار، بوصفها جزءاً من إعادة بناء منظومة الخدمة العامة على أسس أكثر تنظيماً وكفاءة.
ضبط الرشاوى وتفعيل المساءلة.. مسار إصلاحي لترسيخ النزاهة
تُعدّ مسألة ضبط الرشاوى ومكافحة الفساد، معياراً حاسماً في قياس ثقة المواطن بالمؤسسات العامة، وخلال المرحلة الحالية اتخذت الحكومة إجراءات تنظيمية ورقابية شملت تفعيل أدوات المساءلة، وتشديد الرقابة الداخلية، وتسريع معالجة الشكاوى، وربط عدد من الخدمات بسقوف زمنية محددة، ما أسهم في الحدّ من الممارسات غير القانونية، وتحسين بيئة تقديم الخدمة.

وفي هذا السياق، أُعلن عن انطلاق عمل اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، كهيئة مستقلة لحماية المال العام، واسترداد الأموال غير المشروعة، مع تخصيص منصة رسمية لتلقّي البلاغات بسرية تامة حول استغلال المنصب، أو الرشوة، أو الاختلاس، أو تضارب المصالح.
وتأتي هذه الخطوة، ضمن إطار أوسع لتعزيز الشفافية، وترسيخ معايير النزاهة في مؤسسات الدولة، وتزامنت هذه الإجراءات مع توسيع نطاق الخدمات الإلكترونية وتبسيط المعاملات، ما انعكس على سرعة الإنجاز، وتقليل الاحتكاك المباشر الذي كان يشكل بيئة خصبة للرشاوى في السابق.
ويضيف المواطن “محمد سلوم” لـ”صحيفة الفداء”، خلال مراجعته إحدى الدوائر الخدمية قائلاً: “رغم قصر المدة، نلمس فرقاً واضحاً في سرعة المعاملة وتنظيم الدور. هناك جدية أكبر في المتابعة، وهذا يعطينا أملاً بأن المرحلة القادمة ستشهد مزيداً من الاستقرار الإداري وضبط التجاوزات”.
تعكس مثل هذه الانطباعات مؤشراً
على تحسّن مستوى الثقة، في ظل خطوات إصلاحية ما تزال في طور التوسع، لكنها استطاعت خلال فترة زمنية محدودة إحداث نقلة نوعية في بنية الأداء المؤسسي.
التحول الرقمي.. إدارة أكثر كفاءة واستجابة
يمثل التحول الرقمي أحد أبرز ملامح التغيير في أداء المؤسسة العامة خلال المرحلة الحالية، مع توجّه متزايد نحو أتمتة الخدمات، وتوسيع المنصات الإلكترونية، لتقليل المراجعات المباشرة، وتسريع إنجاز المعاملات.
في وقت، كشفت وزارة الداخلية أن عدد الطلبات الواردة عبر تطبيق “صوتك وصل”، بلغ 22 ألفاً و583 طلباً منذ إطلاقه، فيما جرى معالجة ومتابعة 13 ألفاً و799 شكوى عامة عبر التطبيق، إضافة إلى إنجاز 3 آلاف و977 طلباً بشكل كامل بعد تدقيقها فنياً. كما سُجّل تزايد ملحوظ في التفاعل مع التطبيق خلال شهر شباط مقارنة بالأشهر السابقة.
ويتيح التطبيق للمواطنين، الاستعلام عن منع السفر، ومعرفة الوضع القانوني، ومتابعة حالة الموقوفين، إضافة إلى تقديم الشكاوى ومتابعة معالجتها إلكترونياً، وتعكس هذه الخدمات، توجهاً متنامياً نحو رقمنة الإجراءات الحكومية، بما يسهم في تسريع الخدمة وتقليل الوقت والجهد على المواطنين.
وعلى الرغم من أن مسار التحول الإداري والرقمي ما يزال في مراحله الأولية، إلا أن المؤشرات الحالية تعكس بداية تغيّر ملموس في طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسة العامة.
فتبسيط الإجراءات، وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية، وتعزيز أدوات الرقابة والشفافية، كلها عوامل تسهم تدريجياً في إعادة بناء الثقة، وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي.
ومع استمرار تطوير البنية الرقمية، وتوسيع نطاق الأتمتة في مختلف القطاعات الخدمية، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التحسن في مستوى الخدمة العامة، بما يرسخ نموذجاً إدارياً أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المواطنين، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على السرعة والشفافية، والاعتماد المتزايد على التقنيات الحديثة في إدارة الشأن العام.
#الثورة_السورية
#أصل_الحكاية
#صحيفة_الفداء