الثورة السورية.. حين تصبح الذكرى مسؤولية لا احتفالاً 

 

بقلم: ياقوت الحموي 

تمر ذكرى الثورة السورية هذا العام، في سياق مختلف عما عرفه السوريون في سنواتها الأولى، لم تعد ذكرى انطلاق الثورة مجرد مناسبة لاستعادة الشعارات، أو استحضار الصور الأولى للاحتجاجات. فبعد أكثر من عقد على تلك اللحظة المفصلية في تاريخ السوريين، تغيّر معنى الذكرى في الوعي العام، ولم يعد السؤال الذي يشغل الناس اليوم: ماذا حدث في عام 2011؟ بل ماذا سنفعل الآن بعد انتصار الثورة؟

عندما خرج السوريون في بداية الثورة، كان الدافع واضحاً: الحرية، والكرامة، والعدالة. وكانت تلك اللحظة تعبيراً عن أمل كبير اختصرته شعارات عبّرت عن تطلعات مجتمع كامل إلى مستقبل مختلف. غير أن السنوات التي تلت، بما حملته من تضحيات لا تحصى، وتجارب قاسية، أعادت تشكيل فهم السوريين لمعنى الثورة، ولمعنى الدولة التي يسعون إلى بنائها.

اليوم أصبحت الذكرى بالنسبة لكثير من السوريين، مناسبة للتفكير فيما ينبغي أن يأتي بعد الثورة. فالثورات لا تُقاس فقط بلحظة انطلاقها، بل بقدرتها على فتح طريق نحو دولة عادلة تحمي مواطنيها، وتمنع عودة الاستبداد.

لقد علّمتنا التجربة نحن السوريين دروساً قاسية. من بينها أن الحرية لا تكتمل من دون مؤسسات، وأن العدالة لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل بوجود قضاء مستقل، وقانون واضح، ومؤسسات قادرة على حماية حقوق الناس. كما كشفت السنوات الماضية أن الذاكرة، مهما كانت مؤلمة، لا ينبغي أن تبقى أسيرة الاستذكار الرمزي، بل يجب أن تتحول إلى قوة تدفع نحو الحقيقة والمحاسبة.

وفي هذا السياق، يظل ملف المفقودين والمعتقلين، واحداً من أعمق الجراح التي لم تندمل بعد، إذ ما تزال آلاف العائلات السورية تنتظر معرفة مصير أبنائها. وهذا الملف يذكّر بأن معنى الثورة لا يكتمل إلا بكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، واستعادة الثقة بين الناس ومؤسسات الدولة.

ومن هنا، كثير من السوريين اليوم لا يسألون عن شكل الاحتفال بالذكرى، بقدر ما يسألون عمّا سيأتي بعدها. فعند كثير منهم، أصبحت ذكرى الثورة ذكرى مزدوجة: فيها مساحة فرح بسقوط نظام الأسد البائد الذي استخدم مختلف أدوات القمع والتدمير بحق الإنسان والوطن، وفيها أيضاً شعور بأن كسر شعار «إلى الأبد» لم يكن مجرد نهاية حكم، بل درساً سياسياً في أهمية تداول السلطة وعدم احتكارها.

وفي الوقت نفسه، ما تزال فئة من السوريين ترى في الذكرى مناسبة للفخر والفرح، خصوصاً بعد سقوط النظام، إذ أصبح مشهد الاحتفال عند كثيرين تعبيراً عن رد اعتبار رمزي بعد سنوات طويلة من القتل والقصف والتهجير، ومن الخوف الذي فرضه النظام البائد وحلفاؤه على الشعب السوري.

لكن في المقابل، يبدو أن كثيراً من السوريين اليوم، أقل انشغالاً بالشعارات الكبرى، وأكثر تركيزاً على أسئلة الحياة اليومية مثل: الأمان، والكرامة، وتحسين الخدمات، وبناء مؤسسات تكون في خدمة الشعب لا سلطة عليه، والتفكير في المستقبل، وتحقيق العدالة الانتقالية، وضمان عدم إعادة إنتاج الظلم من جديد. كما أن سؤال الذكرى عند شريحة واسعة لم يعد: «كيف نحتفل؟» بل: «هل بدأت العدالة فعلا؟ وهل كُشف مصير الغائبين؟ وهل صار القانون قادراً على حماية الناس؟». ولهذا يرتبط معنى الذكرى عند كثير من السوريين بأسئلة أكثر واقعية: العيش الكريم، والحوكمة الرشيدة، والاستقرار القائم على القانون، ومنع الإفلات من العقاب، بوصفها شروطاً لأي استقرار حقيقي.

ولهذا فإن إحياء ذكرى الثورة السورية اليوم، لا يكون بتكرار ما قيل في بدايتها، بل بالوفاء لمعناها الأعمق: أن تتحول الذاكرة إلى مسؤولية، وأن يصبح المستقبل امتداداً لما طالب به السوريون منذ اللحظة الأولى.

#الثورة_السورية

#أصل_الحكاية 

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار