تكاد ثقافة الاعتذار أن تكون معدومة في مجتمعنا وحياتنا العامة ، فجميعنا لا نعتذر حتى لو اقترفنا أخطاء مقصودة أو غير مقصودة رغم علمنا بطبيعتها وما يمكن أن تسببه للآخرين من شقاء إنساني أو ضرر مادي أو معنوي !.
وجميعنا – إلاَّ من رحم ربي – يعتقد نفسه معصوماً عن الخطأ ، وأن في اعتذاره إذا أخطأ بحق أحد ما أو مجتمعه أو وطنه ، مهانةً أو حطاً من قيمته وقدره ، لذلك نستمر في غيِّنا وضلالنا ونواظب على اقتراف أخطائنا غير هيَّابين أو مكترثين بنتائجها ومنعكساتها على من حولنا كأقل تقدير !.
ما دعاني إلى هذه المقدمة التي هي صورة طبق الأصل عن واقعنا الذي ترفض أغلبيتنا الاعتراف به ، هو ما قرأته في الزميلة تشرين بعددها 13566 الصادر يوم الإثنين 15 الجاري للزميل الأستاذ زياد غصن تحت عنوان (كم علينا الاعتذار ! ) الذي عرض بزاويته تلك لتبديات العنجهية في سلوكنا الجمعي التي تجعل الاعتذار عن ارتكاب الأخطاء أمراً مرفوضاً بحياتنا وخصوصاً من قبل الشخصيات العامة ، وقد وضع إصبعه على الجرح عندما قال : ( …. لذلك بقدر ما هو مطلوب الاعتذار في الأخطاء العامة والخاصة الحاصلة فعلاً ، وإن كان ذلك الاعتذار لا يعيد أو يعوض جزءاً من الخسائر المادية والمعنوية، فإنه مطلوب أكثر في حالة عدم استغلال مساحة العمل المتاحة أو الإمكانات المتوافرة لخدمة المجتمع والدولة بشكل أفضل.
أعرف أننا كمجتمع بعيدون جداً عن ثقافة «الاعتذار» المرتبطة بالفعل والسلوك ، لدرجة يتعامل معها البعض على أنها حالة ضعف ولحظة انكسار، لكنها ثقافة لن تبقى كذلك في المرحلة القادمة، حيث يجب أن تسود الشفافية والمصارحة، ويلتئم جرح الحرب المؤلمة.. هذا إذا كنا نريد أن نمضي قدماً في إعادة بناء ما خرّبته الحرب ودمرته ! )
ورغم علمي أن الاجتزاء خطأ واعتذر عنه فهو لا يغني عن المقالة ، أود أن أضيف : تُرى ألا يكبر المسؤول بنظر الناس إذا امتلك جرأة الاعتذار ، واعتذر فعلاً عن الوعود المعسولة التي أطلقها لهم – ويطلقها – ولم ينفذها ، وألا يتعاطف معه الناس إذا صارحهم بكل شفافية وصدق ، بالأسباب الحقيقية التي لم تمكنه من تنفيذ وعوده ؟.
و أَليس من الأفضل للمسؤول – أي مسؤول – مهما تكن درجته وشأنه وعمله ، أن يعتذر عن الممارسات الخاطئة التي يمارسها والبعيدة كل البعد عن الفكر المؤسساتي والعمل الوطني كفريق متكامل ، بدلاً من أن تلوك الألسن سمعته في السر والعلن ، وتتغامز عليه الأعين تندراً واستهزاءً ، لأن بين أقواله وأفعاله بوناً شاسعاً ؟!.
ترى ألا يخجل المسؤول من نفسه عندما يكذب على الناس وهو يعرف أنهم (كاشفينه) كما يقال بالدارج الشعبي ، وأنهم يكتشفون كذبه كل ما كذب ، وألا يتناسون أخطاءه إذا اعترف لهم بها واعتذر عنها ، بدلاً من الاستمرار بها وتمثيل دور المثالي عليهم ؟!.
فحبلُ الكذب كما تعرفون قصيرٌ ، وفي أيامنا هذه لم يعد أيُّ شيء مخفياً ، وكذب الكبار يكتشف بسرعة قصوى !. وباعتقادنا ، يتحلَّى بالشجاعة والنبل كلُّ من يعتذر عن خطأ ارتكبه بحق أحدٍ ما ، سواء أكان شخصاً عادياً أو مسؤولاً ، وسواء أكان الخطأ خاصاً أم عاماً ، شريطة ألاَّ يكون لذلك الخطأ آثارٌ مدمرة للفرد أو المجتمع أو المؤسسة أو الوطن !. فالذي يطق برغي لزميله بالعمل قد يُغتفر إذا كان محصوراً بمجال العمل ، وأما المسؤول الذي لايُبقي شيئاً أخضرَ في مؤسسته غير لوحات سياراته فكيف سنغفر له خطأه ؟.
محمد أحمد خبازي