المرضى بين الألم والإهمال في مشفى حماة الوطني ‎

الفداء_ علي الجاسم  

‎يعكس واقع مشفى حماة الوطني صورة مؤلمة عن حجم التراجع الذي يواجه القطاع الصحي ليس فقط من حيث الإمكانيات، بل في طريقة التعامل مع الإنسان المريض الذي يقصد المشفى باحثاً عن العلاج المجاني، فيجد نفسه أمام الإهمال واللامبالاة وسوء المعاملة من قبل بعض الأطباء والممرصين.

‎ففي المشفى لا يحتاج الزائر إلى وقت طويل ليدرك حجم المعاناة التي يعيشها المرضى يومياً.

‎أسرّة قديمة متآكلة، نقص واضح في أبسط المستلزمات الطبية، وتأخر مستمر في متابعة الحالات بسبب غياب الكادر أو قلته، ما يدفع بعض المرضى للانتظار ساعات طويلة، وأحياناً لأيام قبل أن يجدوا من يقوم بمتابعة حالتهم الصحية.

‎المشكلة لا تتوقف عند ضعف الخدمات فقط، بل تمتد إلى أسلوب التعامل الذي أصبح يشكل مرضاً إضافياً للمرضى وذويهم، حيث يُقابل كثير منهم بالتهكم أو التجاهل عند سؤالهم عن أبسط التفاصيل المتعلقة بالعلاج أو الإجراءات الطبية، أو عن وضع المريض المرافقين له وكأن المرض أصبح ذنباً يحاسب عليه الإنسان بدل أن يكون حالة تستوجب الرعاية والاهتمام.

‎أما في أقسام التحاليل، فتتكرر الشكاوى حول انخفاض جودة المعدات المستخدمة، وتأخر النتائج أو عدم دقتها أحياناً، ما يثير مخاوف حقيقية تتعلق بسلامة التشخيص وصحة المرضى، في وقت يُفترض أن تكون فيه المشافي الحكومية الملاذ الآمن لمن لا يملكون تكاليف العلاج الخاص.

‎وما يزيد ألم هذا الواقع، أن المواطن السوري اليوم يعيش ظروفاً إقتصادية خانقة، حيث تعاني غالبية الأسر من الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل التوجه إلى المشافي الخاصة خياراً شبه مستحيل بالنسبة لكثيرين، بعدما أصبحت تكاليف العلاج والفحوصات والعمليات فيها تفوق قدرة المواطن العادي، وبات المرض بالنسبة لبعض العائلات عبئاً يفوق احتماله.

‎ومايفاقم من مأساوية المشهد داخل المشفى واقع النظافة المتردي في العديد من الأقسام، حيث تنتشر القمامة بشكل يثير القلق والاستياء، في بيئة يُفترض أن تكون الأكثر حرصاً على التعقيم والنظافة، حفاظاً على صحة المرضى.

‎فالمريض الذي يدخل المشفى، يجد نفسه أحياناً أمام ممرات غير نظيفة، وإهمال واضح في متابعة أعمال التنظيف، ما يعكس حجم التساهل الإداري وغياب الرقابة الحقيقية.

‎والأسوأ، أن هذا الإهمال لا يمس الشكل العام للمشفى فقط، بل قد يشكل عبئ صحي إضافي على المرضى، خاصة كبار السن والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة، الذين يفترض أن يؤمن لهم بيئة صحية وآمنة.

‎لذلك، فإن المشافي الحكومية لم تعد مجرد خيار بين عدة خيارات، بل أصبحت الملجأ الوحيد لشريحة واسعة من السوريين، الأمر الذي يضاعف حجم المسؤولية الواقعة على إداراتها والجهات المعنية للإصلاح الحقيقي، لا الاكتفاء بالوعود أو التبريرات.

‎إن الحديث عن الفساد داخل المؤسسات الصحية لم يعد ترفاً إعلامياً أو مبالغة، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية، لأن استمرار هذا الواقع يعني تحويل معاناة المرضى إلى أمر اعتيادي، وتطبيع الإهمال داخل مؤسسة يفترض أنها وُجدت لحماية حياة الناس لا لاستنزاف كرامتهم.

‎ما يحتاجه المشفى اليوم ليس فقط ترميم الجدران أو تبديل الأجهزة، بل إعادة بناء ثقافة المسؤولية والمحاسبة والرحمة، فكرامة المريض ليست تفصيلاً ثانوياً، والرعاية الصحية ليست صدقة، بل حق أساسي يجب الحفاظ عليه.

# صحيفة_الفداء 

المزيد...
آخر الأخبار