عامٌ على تحرير حماة ذكرى الصمود والانتصار

نور القدور – الفداء 

مرّت سنةٌ كاملة على تحرير مدينة حماة من عصابةٍ أسدية حكمتها لعدّة عقود فقتلت أهلها وهجّرت من بقي حياً.

المدينة التي ظلْ عبد الباسط الساروت، ومعه ملايين الأصوات يهتف لها في ساحات الحرية: “يا حماة سامحينا والله حقّك علينا”، فإذا بها تجيب بعد سنواتٍ من الألم بصوت أعلى من الرّصاص: “ها قد عدت إليكم”.

وجاء يوم التحرير ليعيد للمدينة اسمها وكرامتها التي حاول نظام الأسد البائد أن يطفئها طويلاً.

كان يوم  الخامس من كانون الأول 2024 مختلفاً، إذ ولّت آخر دبابة للنظام، تاركة خلفها شوارع لم تصدّق أنها عادت حرةً بعد سنواتٍ من القمع والصّمت المُر.

حماة لم تكن مدينةً عادية في حسابات السّلطة السابقة، بل كانت مركز ثقلٍ مقاوم لكل أشكال الاستبداد لكنها في الوقت نفسه كانت موطن القيادات التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين، فجرى التعامل معها كمدينةٍ يجب إخضاعها إلى الأبد، وتحويل اسمها إلى تهديدٍ لأي مدينةٍ قد

تفكر بالتمرد.

بداية الحراك: 1963 وشرارة 1964 

لم يبدأ الحراك في 1982، بل مع وصول حزب البعث إلى السلطة بانقلاب 8 آذار 1963.

وبعد عامٍ واحد اندلعت الشرارة الأولى من جامع السلطان في 23 نيسان 1964 عقب اعتقال دعاة بارزين، فوجدت المدينة نفسها للمرة الأولى في مواجهة دبابات الجيش بقيادة أمين الحافظ، وقُصِف الجامع بالدبابات.

الطريق إلى المجزرة الكبرى 

تتابعت الأحداث وصولاً إلى هجمات “الطليعة المقاتلة” ومحاولة اغتيال حافظ الأسد في 26 حزيران 1980، ليتحوّل الرد في اليوم التالي إلى مجزرة سجن تدمر التي قتل فيها ما بين 500 و1000 معتقل أغلبهم من  الإخوان، ثم أُصدر في تموز المرسوم التشريعي رقم 49 الذي جعل مجرد الانتماء للجماعة جريمةٌ يُعاقَب عليها بالإعدام.

الحصار والإبادة 1982 

في 2 شباط 1982 حوصرت المدينة وقُطعت عنها المياه والكهرباء والاتصالات لمدة ثلاثة أسابيع، ثم بدأ قصفٌ عنيف بقيادة رفعت الأسد دمّر أكثر من ثلث المدينة القديمة.

قتل  ما بين 10,000 و40,000 مدني (معظم التقديرات الدولية تتراوح بين 20-25 ألفاً)، سقط المرضى في المستشفيات قتلى، ووثّقت منظمات حقوقية حالات انتهاك وإعدام ميداني وإبادة عائلات بأكملها.

وبعد المجزرة، فُرض الصمت على المدينة، وظل ذكر «حماة 82» ممنوعاً لعقود، بينما النواعير تدور فوق جرح لم يُسمح له بالالتئام.

ثورة 2011: حماة تنهض من رماد الحريق القديم

مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، عادت حماة إلى الصدارة بصوتٍ شعبي سلمي هائل يضم كل مكونات المدينة.

بلغت المظاهرات ذروتها يوم الجمعة 1 تموز 2011 حين خرج   مئات آلاف  المتظاهرين  – أحد أكبر  التظاهرات  في تاريخ الثورة – رافعين شعار “حماة لا تنسى”.

قوبلت هذه المظاهرات بالقمع العنيف، فسقط مئات الشهداء في جمعة “ارحل” وجمعة “لا للحوار”، لكن المدينة ظلت رمزاً للصمود.

الحصار والمعارك: 2011-2024 

شهد ريف حماة الشمالي والغربي معارك عنيفة، وتحررت  مدن مثل مورك  وكفرزيتا واللطامنة على يد  الثوار ، وتعرضت لآلاف الطلعات الجوية، ووثقت الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدام السارين والكلور في هجماتٍ عدة على الريف.

بقيت المدينة نفسها تحت سيطرة النظام حتى اللحظة الأخيرة، لكنها عاشت حياةً مليئة بالخوف ونقص الخدمات والاعتقالات العشوائية.

يوم التحرير: 5 كانون الأول  2024 

جاء التحرير ضمن عملية “ردع العدوان” التي انطلقت في 27 تشرين الثاني 2024.

في 5 كانون الأول انهار دفاع النظام تماماً، فحررت إدارة العمليات العسكرية مستودعات ورحبة خطاب ثم الفرقة 25 ثم مطار حماة العسكري في محيط المدينة والسجن المركزي، وأُطلق سراح آلاف المعتقلين.

خرج الأهالي إلى الشوارع، مثل بركانٍ خامد، انفجرت حماة بالأفراح وامتزجت السعادة بالبكاء، صدحت التكبيرات، وعانق تراب حماة جبهات الثوار، فيما هرعت الأمهات لاستقبال أبنائهن المجاهدين، بعد سنواتٍ من القلق والفقد، لتتلاقى القلوب في لحظةٍ لم يعرفها التاريخ إلا نادراً، مرددين: “حماة حرّة حرّة”.

الفداء النهائي: التئام الجرح 

بعد عامٍ على ذلك الصباح الاستثنائي، تدور النواعير فوق جرحٍ بدأ يلتئم أخيراً.

حماة، التي دفعت أثقل أثمان القمع في تاريخ سوريا الحديث، استعادت اسمها ودورها ورمزيتها، غير أنّ الجرح لم يكتمل شفاؤه بعد، وما زال يذكّر بالعدالة الانتقالية ومحاسبة الجناة.

#صحيفة_الفداء

#المعركة_ردع_العدوان

#عام_على_التحرير

المزيد...
آخر الأخبار