بقلم عمار أبو شاهين
إرث الهارب لم ينتهِ بفراره، بل تحوّل إلى شبح يطارد سوريا الجديدة في كل محاولة لبناء هويتها الوطنية الحقيقية. ففي كل مرة نتقدم خطوة نحو الاستقرار والإعمار، يعود صوته من خلال فلول ميليشياته، محاولاً إعادة رسم الخريطة الطائفية التي حكم بها عقوداً، وبنكهة الموت والدماء التي سالت في 6 آذار 2025 وما تلاه. لكن سوريا اليوم ليست تلك السوريا القديمة، إنها تبحث عن هوية جديدة مبنية على المواطنة، لا على الطائفة، على العدالة لا على الانتقام، وعلى الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عنها كأساس لهذه الهوية.
رغم الجرح العميق، والإعمار المتعثر، يصرّ السوريون على رفض هذا الإرث الدموي، ويحوّلون دماء الشهداء، إلى وقود لورش الترميم، والمستشفيات، والطرقات، والبنى التحتية، مؤكدين أن هويتنا الوطنية تتشكل اليوم في صمودنا المشترك، في محاكمات العدالة الانتقالية، وفي الإصرار على إيقاف أنهار الدماء السورية، فالغد يُبنى بحياة مشتركة للجميع، دون استثناء.
في مثل هذا اليوم قبل عامٍ بالضبط، في 6 آذار 2025، استيقظ السوريون على صدمةٍ جديدةٍ لم تكن في الحسبان. انطلقت هجمات ميليشيا “لواء درع الساحل”، بقيادة مقداد فتيحة، ذلك القائد السابق في الحرس الجمهوري للنظام البائد، لتُعيد إلى الأذهان كوابيس سنوات الثورة السورية ضد الديكتاتورية. كل قتيلٍ من أبناء جيشنا الوطني، وكل مدنيٍ سقط برصاص هذه الميليشيا الإرهابية، شهيد جديد على مذبح الحرية والكرامة، شهيد يستحق أن يُرفع اسمه عالياً، وأن تُحفظ دماؤه في ضمير الوطن كلّه. هؤلاء ليسوا أرقاماً في تقرير، بل هم آباءٌ وأبناءٌ وإخوةٌ، كانوا يحلمون بالسلام بعد عقودٍ من الظلم الأسدي.
إن أخطر ما خلفته هجمات ميليشيا “درع الساحل”، ليس فقط الدماء التي سالت في الساعات الأولى، بل التأثيرات السلبية العميقة التي ألقت بظلالها على البيئة السورية كلّها. أعادت هذه الهجمات، إحياء جوّ التوتر والخوف في كل محافظةٍ، فأصبح المواطن العادي يخشى الخروج إلى عمله، أو إرسال أولاده إلى المدرسة. كيف لنا أن نبني وطناً جديداً ونحن نعيش تحت وطأة هذا القلق الدائم؟ لقد أوقفت هذه الأحداث، عجلة الاستقرار التي كانت بدأت تدور ببطء بعد خروجنا من حربٍ طويلةٍ دامت سنوات أمام نظامٍ مجرمٍ، لم يوفر آلة من آلات القتل والدمار إلا وجربها على شعبنا. آلاف السوريين كانوا في غنىً عن هذا الدمار الجديد، آلافٌ كان يمكن أن يكونوا اليوم يزرعون أرضهم، أو يعيدون ترميم بيوتهم، بدلاً من أن يبكوا فقدان أحبّتهم، أو يكونوا ممن نبكي على فقدهم اليوم.
أما على صعيد إعادة الإعمار، فالكارثة أكبر مما يتصوّر البعض. فبينما يعمل الكثيرون ليلاً نهاراً، ويؤسسون حملاتٍ لترميم المدارس، وتأهيل الآبار، وإعادة الحياة إلى القرى المحرّرة، نجد أنفسنا أمام عقبةٍ جديدة. الاستثمارات التي كانت تتدفّق ببطءٍ توقّفت، والنازحون الذين كنا ننتظر عودتهم الطوعية تردّدوا مرّةً أخرى، والمشاريع التنموية التي كانت تُعدّ للمناطق المتضرّرة أُجّلت. هذا هو الثمن الحقيقي الذي دفعه الشعب السوري بعد أشهرٍ قليلةٍ فقط من انتصاره على الديكتاتورية: تأجيلاتٌ إضافيةٌ لبناء المستشفيات، والطرقات، والمزارع، وآلاف الفرص الضائعة التي كان يمكن أن تحوّل حياة الأجيال القادمة إلى الأفضل.
هناك من يحاول اليوم تزوير الحقائق، وتصوير ما حدث في الساحل على أنها حربٌ طائفيةٌ موجَّهة ضد العلويين، يروّجون رواياتٍ مغلوطةً تجعل الجلاد يظهر كأنه ضحية. لكن الأدلة الموثقة التي نشرها لواء درع الساحل ومقاتلوه بأنفسهم، من صورٍ وتسجيلاتٍ صوتيةٍ ومقاطع فيديو، تثبت بشكلٍ لا يقبل الشك، أن الهجمات كانت مدبرةً ومنهجيةً، نصبت فيها عشرات الكمائن لأفراد الأمن العام والجيش، وقتلت عشرات المدنيين الأبرياء، فقط لأن سياراتهم تحمل لوحات تسجيل تعود لمحافظة إدلب، تلك اللوحات الزرقاء اللون التي تظهر بوضوحٍ من بعيد. حتى أن بعض الضحايا كانوا مدنيين من أهالي طرطوس واللاذقية، اشتروا سياراتٍ جديدةً من إدلب بلوحاتٍ زرقاء، فتم استهدافهم وقتلهم لمجرد لون اللوحة ومكان تسجيلها، في دليلٍ دامغٍ على أن الهدف كان القتل الممنهج والترهيب.
هذه الأدلة المرئية والمسموعة، تكشف الوجه الحقيقي لما حدث: عمليات إرهابية مدبرة من فلول النظام البائد، تهدف إلى زعزعة الاستقرار الوليد، وإعاقة مسيرة التعافي الوطني، وإعادة إشعال نار الفتنة تحت غطاءٍ طائفيٍ مزيّف.
أنا لا أتحدّث هنا عن مصالحةٍ زائفةٍ، بل عن عدالةٍ صارمةٍ يجب أن تتحقّق. يجب أن تُحاسب كل يدٍ امتدّت بالسلاح خارج إطار الدولة، وكل من تورّط في قتل شهدائنا. الشهداء الذين سقطوا في 6 آذار وما تلاه، يستحقون أن تُرفع راياتهم في كل ساحةٍ، وأن تُبنى سوريا الجديدة على أساس رفض كل أشكال الإرهاب والميليشيات.
في حماة، شأننا كشأن كل سوري حر يحلم بحياة كريمة، نؤمن أن فداء الوطن الحقيقي، هو أن نحمي الإعمار من أية شرارةٍ جديدةٍ تهدف إلى تدمير سوريا ونسيجها، وأن نجعل دماء الشهداء وقوداً لنهضةٍ لا تتوقّف.
عامٌ مرّ، والجرح لا يزال ينزف. لكن في رأيي، هذه الذكرى ليست للبكاء فقط، بل للإصرار على أن سوريا التي خرجت من الثورة ضد الديكتاتورية لن تسمح لأحدٍ أن يعيدها إلى الوراء. الشهداء يراقبوننا، والعدالة قادمةٌ لا محالة، وطريقنا في إعادة الإعمار مستمر رغم كل الصعاب.
#صحيفة_الفداء