الفداء_ ازدهار صقور
لم تكن مفردة “اقتصاد” حاضرة في قاموس القرى القديمة بمصياف، لكن تفاصيلها كانت نهج حياة. فقبل هيمنة الأسواق الحديثة وسلاسل التوريد، اعتمدت العائلات على نموذج من الاكتفاء الذاتي المتكامل، حيث شكّلت تربية الأبقار والدجاج وزراعة الأرض منظومة إنتاجية توفر الغذاء والدخل في آن واحد.
دورة حياة متكاملة
في قرية الحيلونة بريف مصياف، تستعيد الحاجة “أم محمد” (78 عاماً) ذكريات تلك الحقبة، وتقول لـ “الفداء”: “لم نكن نعتمد على الأسواق، كانت بقرتان تكفيان حاجة الأسرة وتفيضان للبيع. الحليب يتحول إلى ألبان وأجبان وسمن، وفضلات الأبقار تغذي الأرض، بينما توفر الحقول العلف للحيوانات”.
هذا التكامل، بحسب “أم محمد”، كان يضمن عدم وجود هدر، فالدجاج كان المصدر اليومي للبيض، وأي فائض يُباع في السوق الأسبوعي لتأمين احتياجات الأسرة الأخرى، مما خلق دورة إنتاجية لا يعتمد فيها الدخل على راتب ثابت، بل على ما تنتجه الأيدي.
النساء.. مهندسات الاقتصاد الريفي
وتؤكد الحاجة “أم سالم” (82 عاماً) أن نساء القرية كُنّ العمود الفقري لهذا الاقتصاد.
“كنا نستيقظ قبل الشروق لإدارة دفة العمل؛ من الحلب إلى الخبيز وإعداد مؤونة الشتاء. إدارة الموارد كانت مهارة فطرية لدينا، حيث كنا نحفظ الأغذية لفترات طويلة، ونستفيد من بقايا الطعام في إطعام المواشي”.
وتشير “أم سالم” إلى البعد الاجتماعي لهذا النظام: “كان التكافل جوهر حياتنا، فمرض بقرة لدى جارٍ كان يعني تضرر المجتمع كاملاً، لذا كان التعاون حاضراً في كل الملمات”.
نموذج “الجيل الذهبي”
بدوره، يرى الأستاذ منير الأسعد، باحث في التاريخ، أن هذا النمط أنتج نموذجاً فعّالاً للاقتصاد المنزلي. ويقول: “لقد كانت الأسرة وحدة اقتصادية متكاملة، يشارك أفرادها في أدوار محددة عززت روح العمل والتعاون، بعيداً عن نظريات التنمية المعقدة”.
ويضيف الأسعد: “هذا الجيل أدار نظاماً اقتصادياً متكاملاً بجهد فردي، دون ضجيج إعلامي، لكن مع رحيله وتغير أنماط الحياة، هُجرت الحقول وصمتت الإسطبلات، وتحول الغذاء الذي كان متاحاً للجميع إلى عبء مادي في ظل المتغيرات الاقتصادية الحالية”.
#صحيفة_الفداء