ماذا يعني الثلث المكمل لمجلس الشعب؟ 

بقلم عمار أبو شاهين 

في لحظة سياسية شديدة الحساسية، لا يبدو الإعلان عن أسماء الثلث المكمّل من أعضاء مجلس الشعب السوري مجرد إجراء بروتوكولي لإكمال عدد المقاعد، بل خطوة تحمل معنى أوسع: الانتقال من مرحلة تشكيل المؤسسة إلى مرحلة اختبار قدرتها على تمثيل السوريين، ومراقبة الأداء العام، والمساهمة في بناء الإطار القانوني للدولة الجديدة.

منذ البداية، كان واضحاً أن مجلس الشعب في هذه المرحلة لا يُبنى وفق قواعد الحياة السياسية المستقرة، ولا يدّعي أنه النموذج النهائي للتمثيل البرلماني في سوريا، نحن أمام صيغة انتقالية، وُلدت في ظرف استثنائي بعد حرب طويلة، ونزوح واسع، وتحديات أمنية وسكانية وإدارية تجعل الذهاب فوراً إلى انتخابات مباشرة شاملة أمراً بالغ التعقيد، لذلك جاء النظام الانتخابي المؤقت ليملأ فراغاً مؤسساتياً لا يمكن تركه مفتوحاً إلى أجل غير محدد.

القيمة السياسية للخطوة لا تكمن في أن رئيس الجمهورية يعين سبعين عضواً، بل في وظيفة هذا التعيين ضمن الإعلان الدستوري والذي يضمن التمثيل العادل والكفاءة، حيث نصت المادة 24 من الإعلان الدستوري على أن الهيئات الفرعية الناخبة تنتخب ثلثي أعضاء مجلس الشعب، وأن رئيس الجمهورية يعين الثلث المتبقي لضمان التمثيل العادل والكفاءة، أي أن المعلن ليس منح امتياز سياسي، بل معالجة اختلالات قد تفرزها آلية انتخابية انتقالية وغير مباشرة.

لو أردنا تعريف الثلث المكمل سياسياً، فكيف يكون لمن يقرأ المشهد السوري بصورة بناءة وتقويمية فهو: استكمال التمثيل، وترميم الفجوات، وإدخال خبرات وطنية قادرة على الاشتغال في ملفات القانون، والاقتصاد، والإدارة، والعدالة، وإعادة بناء الدولة.

لقد جاء الجزء الأكبر من المجلس عبر آلية انتخاب غير مباشر من خلال الهيئات الناخبة، وهي آلية يمكن النقاش حولها، لكنها كانت الأساس في تشكيل المجلس، أما الثلث المكمل، فينبغي النظر إليه بوصفه أداة تصحيح لا أداة هيمنة فهو فرصة لإدخال نساء أكثر، وممثلين عن مكونات وشرائح لم تحصل على حضور كاف، وكفاءات قانونية واقتصادية واجتماعية تحتاجها المؤسسة التشريعية في مرحلة تأسيسية، في وقت تحدثت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب سابقاً عن أن الثلث المكمل سيسهم في تعزيز التوازن والكفاءة ومعالجة الثغرات التي قد تنتج عن العملية الانتخابية.

لا يمكننا القول: إن هذا الثلث هو إعلان استكمال أسماء، بل كاستكمال مؤسسة، فمجلس الشعب ليس قائمة أشخاص، بل مساحة يفترض أن تتحول إلى ورشة عمل وطنية دائمة لإقرار القوانين، ومراجعة، ما تراكم من تشريعات المرحلة السابقة، وفتح نقاش عام حول أولويات الشعب، من العدالة الانتقالية إلى الخدمات، ومن الاقتصاد إلى إعادة الإعمار ومن الحريات العامة إلى حقوق الفئات التي دفعت أثمان الحرب والنزوح والاعتقال.

هنا تحديداً تبرز أهمية حضور ذوي الشهداء، وجرحى الحرب، والناجين من المعتقلات، وضحايا الانتهاكات، إلى جانب أصحاب الخبرة الأكاديمية والقانونية والاقتصادية، فالمجلس الذي يناقش مستقبل سوريا لا يمكن أن يكون بعيداً عن ذاكرة السوريين ولا عن آلامهم.

كل هذا التفاؤل في الثلث المكمل بالإضافة للثلثين المنتخبين لا يعني أن نلغي الأسئلة ” نحط دياتنا وجرياتنا بمي باردة”، بل العكس تماماً، يجب ارتفاع سقف الحرية في سوريا، بحيث يظهر في القدرة على التأييد من دون تصفيق أعمى، والنقد من دون تخوين.

من حق السوريين أن يسألوا: هل ستكون هذه الأسماء صاحبة رأي مستقل؟ هل سيملك المجلس شجاعة الرقابة؟ هل ستتحول الكفاءة إلى معيار فعلي لا عنوان إعلامي؟ هذه الأسئلة لا تضعف الخطوة بل تحميها، فالمؤسسة التي لا تخاف من السؤال والتوضيح تصبح أقوى لا أضعف.

في المحصلة، يمكن النظر إلى الثلث المكمل كخطوة جديدة في مسار طويل، مسار نقل الدولة من الفراغ إلى المؤسسة، ومن منطق الضرورة إلى منطق القانون، ومن إدارة اللحظة إلى بناء المستقبل، ليست هذه نهاية الانتقال السياسي لكنها محطة مهمة فيه، وليست بديلاً عن الانتخابات المباشرة الدائمة التي يطمح إليها السوريون مستقبلاً، لكنها آلية انتقالية يمكن أن تؤدي دوراً مفيداً إذا التزمت بوظيفتها من حيث توسيع التمثيل، ورفع الكفاءة وجعل مجلس الشعب مساحة جامعة للأصوات لا مجرد قاعة تصويت وتصفيق.

اليوم، لا تكتمل قائمة من سبعين اسماً فقط، بل تكتمل صورة أولية لسوريا التي تريد أن تقول: إن بناء الدولة لا يتم بالشعارات وحدها، بل بالمؤسسات، وبالمشاركة، وبالقدرة على تحويل التنوع السوري من تحدٍّ إلى مصدر قوة.

#صحيفة_ الفداء

المزيد...
آخر الأخبار