الفداء
منذ عقود طويلة، كانت أشعة الشمس الوسيلة الأولى لحفظ الأغذية، إذ اعتمدت عليها ربات المنازل لتخزين مختلف أنواع الخضار والفواكه والأعشاب كمونة للبيت، ولا سيما في مواسم وفرتها، للاستفادة منها في أوقات الجفاف والشتاء. حيث كانت تقطع وتُجهز وتُعرض للشمس لتجف، ثم تُخزّن بعناية.
اليوم، تعود هذه الطريقة التقليدية إلى الواجهة بصورة مختلفة، فما كان في الماضي مجرد وسيلة منزلية للاكتفاء الذاتي، أصبح بالنسبة إلى أسر عديدة نواة لمشاريع صغيرة توفر دخلاً إضافياً، في وقت يحرص فيه أصحابها على الجمع بين الموروث الشعبي ومتطلبات السلامة الغذائية الحديثة.
مونة الأجداد.. ذاكرة حية
تستحضر ربات المنازل كيف كانت عملية التجفيف جزءاً أساسياً من طقوس التحضير للمواسم المقبلة. فالخضار والفواكه تُنتقى بعناية، البندورة تقطع وتُرش بالملح أو تُعصر وتُفرش في أطباق واسعة تحت الشمس، والباذنجان يحفر ويشك بالخيط ليعلّق حتى يجف، فضلاً عن “الكشك” المكوّن من البرغل واللبن، إلى جانب التين والمشمش والعنب.
تقول أم محمد (ربة منزل حافظت على هذه العادة): “كنا نتعلم أصول التجفيف من أمهاتنا وجداتنا. كانت الفكرة بسيطة لكنها جوهرية، نحافظ على المحصول في موسمه لنسحب منه لاحقاً، مع الحرص التام على نظافة الطعام وتغطيته”. وتضيف أن التجفيف لم يكن مجرد حفظ للغذاء، بل طقساً اجتماعياً تتشاركه النساء لتبادل الخبرات.
فرصة عمل من قلب المطبخ
مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وجدت بعض السيدات في المنتجات المجففة فرصة لتحويل هذه المهارة إلى مصدر رزق.
تقول بثينة المحمد إحدى العاملات في هذا المجال: «بدأنا بكميات بسيطة للاستهلاك الشخصي، ومع تزايد إقبال المعارف والطلبات، حولنا الأمر إلى مشروع عائلي متكامل يتشارك فيه أفراد الأسرة من التحضير والتجفيف إلى التعبئة والتسويق».
وتتابع: “أجمل ما في التجربة أننا نحافظ على وصفات أمهاتنا ونحقق في الوقت ذاته دخلاً يسند الأسرة. لم نكتف بالطريقة التقليدية، بل نعمل على تطوير التغليف، وتوحيد الجودة، والسعي لمعرفة متطلبات الترخيص والتسويق الصحيح لضمان استدامة المشروع”.
الشمس وحدها لا تكفي
رغم ارتباط التجفيف بالشمس وفق الموروث الشعبي، فإن نجاحه صحياً يتطلب معايير دقيقة، وعليه تؤكد أخصائية التغذية مادلين خضر، أن عملية التجفيف تقوم على تقليل نسبة الماء في الغذاء لمنع نمو الأحياء الدقيقة وإطالة مدة صلاحيته، مشددة على أن التجفيف في الهواء الطلق يتطلب حماية الأطعمة من الغبار، الحشرات، والرطوبة العالية التي قد تسبب العفن.
وتُحذّر الأخصائية من استخدام مواد غير مخصصة لملامسة الغذاء، أو الاستعانة بمواد كيميائية مجهولة المصدر لتسريع التجفيف أو تحسين اللون، مؤكدة أن العودة لطرق الأجداد يجب أن تقترن بمعايير السلامة الحديثة لتكون المنتجات المجففة جزءاً من نظام غذائي صحي وآمن.
وهكذا، تواصل أشعة الشمس دورها، ليس فقط في حفظ المؤونة، بل في تمكين الأسر واقتصاديات المنازل، لتسهم مهارة الماضي في فتح باب أمل اقتصادي للمستقبل.
#صحيفة_الفداء