الفداء
تختصر أم لأربعة أطفال، وهي تحسب ما يمكن استقطاعه من مصروفهم اليومي لتوفير حد أدنى من الدفء لبيتهم، الحكاية بأكملها، لتبدأ السيدة “عائدة الراعي” (ربة منزل) حديثها لصحيفة الفداء، بمرارة تلامس واقع معظم العائلات اليوم، متسائلة: “عن أي بدائل نتحدث ولم يعد هناك شيء يُذكر”.
وتضيف: “لم يعد أمامنا أي خيار لتدفئة أطفالنا، فكل شيء ارتفع ثمنه بشدة ولا يمكن توفيره إطلاقاً، بسبب الظروف المعيشية القاسية. الأمر لم يعد متعلقاً بتوفير مواد التدفئة فحسب، بل وصل إلى حاجيات الأطفال ومتطلباتهم الضرورية التي اقتصرنا على الكثير منها بعد هذا الغلاء الفاحش”.
هذا العجز عن مجاراة الأسعار جعل من الشتاء هماً ثقيلاً يداهم المنازل، حتى مع الإعلان عن توفير مادة المازوت المدعوم بسعر 115 ليرة، إذ تقف القدرة الشرائية الضعيفة حائلاً دون الاستفادة منه، لتدفع بالناس نحو البحث عن خيارات تحفّها المخاطر أو مشقة التعايش.
من جانبها، ترى السيدة “خلود الأحمد” (موظفة)، أن المازوت، ورغم ارتفاع أسعاره، يظل الوسيلة الأكثر أماناً، شارحةً خطتها الاضطرارية: “سنشتري منه ما يكفينا لساعات قليلة فقط في النهار حين تجتمع العائلة، أما بقية اليوم فنعتمد على البطانيات والألبسة الصوفية، ولا خيار آخر أمامنا”.
وتوضح “الأحمد”، أن استبعاد التدفئة بالحطب أو بقايا المواد لم يكن لمجرد ارتفاع أسعار الحطب فقط، بل لسبب أشد قسوة عاشته عائلتها العام الماضي، حيث تعرض أطفالها لنوبات اختناق متكررة أُسعفوا على إثرها إلى المشفى، جراء الانبعاثات الناجمة عن حرق النايلون والأحذية والملابس البالية التي كانت تستعيض بها أحياناً عن الحطب لتدفئتهم.
المخاوف ذاتها يطرحها المواطن “علاء محفوض” (موظف)، محذراً من أن المشكلة لا تقف عند حدود السعر فقط، بل تمتد إلى القلق من آليات التوزيع الفعلية، ناهيك عن ضعف القدرة الشرائية وعجز المواطن عن استخدام الكهرباء للتدفئة، متسائلاً عن الفائدة من توفرها في ظل هذا العجز.
ويلفت “محفوض”، إلى أن المدافئ البديلة التي تعتمد على وقود مخلفات معاصر الزيتون (التمز) ليست حلاً متاحاً للجميع، إذ إن سعر المدفأة مرتفع جداً، فضلاً عن أن خطورتها على السلامة أعلى من الوسائل الأخرى، ليختم قائلاً: “باختصار.. الخيارات صعبة، ونعلم أنه ينتظرنا شتاء قاسٍ”.
تتحول التدفئة مع كل عام إلى الشغل الشاغل للشارع، في واقع يزداد صعوبة عن سابقه، حيث يجد رب الأسرة نفسه أمام مأزق مكرر، يصارع فيه لتأمين القوت الأساسي لأطفاله، ليأتي فصل الشتاء ويزيد الغلاء الفاحش الطين بلة.
#صحيفة_الفداء