الفداء – أحمد العلي
وصل الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك في زيارة تستمر ثلاثة أيام، للمشاركة في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلقاء كلمة سوريا أمام قادة دول العالم، إلى جانب عقد لقاءات مع رؤساء ومسؤولين، من بينهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
كما يشارك في حوار ينظمه “المجلس الأطلسي للأبحاث”، يتناول مستقبل سوريا ودورها الإقليمي، وملفات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وتعد هذه الزيارة الثانية للرئيس الشرع إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والثالثة له إلى الولايات المتحدة الأميركية، وذلك لتعزيز حضور سوريا الدولي بعد رفع معظم العقوبات المفروضة عليها، بالتوازي مع الانفتاح السياسي والاقتصادي الذي تبديه دمشق عقب عقود من العزلة السياسية.
تحولات كبيرة بين الزيارتين
تأتي زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك هذا العام في ظل تحولات كبيرة مقارنة بزيارته الأولى في أيلول 2025، إذ كانت سوريا خلالها لا تزال تعمل على كسر عزلة امتدت لعقود، بينما بقيت العقوبات والتصنيفات الدولية عائقاً أمام انفتاحها الخارجي.
أما اليوم، فيصل الرئيس الشرع إلى نيويورك بعد إزالة اسمه من قائمة العقوبات الأممية، وإلغاء “قانون قيصر”، وإنهاء برنامج العقوبات الأميركية الشاملة، إلى جانب شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد 47 عاماً من فرضها عليها.
جذب الاستثمارات وتوسيع الشراكات الدولية
تشير هذه التطورات إلى أن الزيارة لم تعد تقتصر على مساعي فك العزلة —التي طبعت تحركات سوريا الخارجية خلال العام الأول بعد سقوط النظام البائد— بل تتجه إلى استثمار الانفتاح السياسي والقانوني في بناء علاقات اقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتوسيع الشراكات الدولية، بالتوازي مع ملفات أمنية وسياسية لا تزال مفتوحة، وفي مقدمتها اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي السورية والمفاوضات التي ترعاها واشنطن بين دمشق وتل أبيب.
الاقتصاد.. من الانفتاح إلى الاستثمار
اقتصادياً، انتقل الحوار السوري–الأميركي خلال عام واحد من المطالبة بإزالة القيود القانونية إلى بحث فرص الاستثمار وإعادة الإعمار.
ففي عام 2025 ألغت واشنطن برنامج العقوبات الشاملة على سوريا، مع الإبقاء على عقوبات موجهة بحق رأس النظام المخلوع بشار الأسد وشبكاته ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار الكبتاغون وجهات مرتبطة بالإرهاب وإيران.
وتبع ذلك إلغاء “قانون قيصر” في 18 كانون الأول 2025، ثم رفع تصنيف سوريا كـ “دولة راعية للإرهاب” في 24 آب 2026، مما أنهى أحد أبرز العوائق القانونية أمام التعاملات والاستثمار الدولي.
وبالتزامن مع ذلك، بدأت مؤشرات الانفتاح الاقتصادي بالظهور مع وصول وفد من غرفة التجارة الأميركية إلى دمشق لبحث فرص التجارة والاستثمار، ما يعكس انتقال النقاش من إمكانية دخول الشركات إلى سوريا نحو القطاعات والتمويل والضمانات والبنية المصرفية والقانونية.
وتأتي زيارة الشرع إلى نيويورك في هذا السياق، فيما يضع “المجلس الأطلسي” جذب الاستثمارات الدولية والتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار ضمن أبرز محاور النقاش.
الملف الإسرائيلي
لا يقتصر جدول أعمال زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك على الملفات الاقتصادية؛ إذ يأتي في ظل استمرار التوغلات واعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري، بالتزامن مع تعثر الجهود الأميركية للتوصل إلى تفاهم أمني بين دمشق وتل أبيب.
وكان الجانبان قد عقدا في 23 آب الماضي جولة محادثات بوساطة أميركية في عمان دون تحقيق تقدم حاسم، في ظل تمسك الحكومة السورية بوقف الغارات والتوغلات والاعتقالات، وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي إلى مواقع ما قبل 8 كانون الأول 2024، والعودة إلى اتفاق “فض الاشتباك” لعام 1974، وهو ما ترفضه إسرائيل.
ومن المتوقع أن يحضر ملف الجنوب واعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في لقاءات الرئيس الشرع مع المسؤولين الأميركيين وفي كلمته أمام الجمعية العامة، وسط إمكانية إعادة تحريك الوساطة الأميركية.
نقطة انطلاق لمسار جديد
تعكس مشاركة الرئيس أحمد الشرع للسنة الثانية في أعمال الجمعية العامة انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة في علاقاتها الدولية، إلا أن أهمية الزيارة لن تقاس بحجم اللقاءات في نيويورك، بل بما يمكن أن تفضي إليه لاحقاً من تفاهمات وقرارات تفتح المجال أمام الاستثمار، وتوضح مسار العلاقة مع واشنطن، وتوسع هامش الحركة السورية إقليمياً ودولياً.
ومن هنا، قد تشكل نيويورك نقطة انطلاق لمسار جديد إذا تحولت نتائج اللقاءات إلى خطوات عملية تنعكس تدريجياً على الاقتصاد والعلاقات الخارجية والداخل السوري.
#صحيفة_الفداء