سوريا والعراق.. حسابات الأمن والجغرافيا والاقتصاد ترسم مسار التقارب

الفداء – أحمد العلي

تتجه دمشق وبغداد نحو بناء شراكة استراتيجية أمنية واقتصادية، وتُعد زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، إلى دمشق الأربعاء الماضي “منعطفاً جوهرياً”، على المدى المنظور القريب وللمستقبل. وتكتسب الزيارة أهميتها كونها الأولى لرئيس حكومة اتحادية عراقية لسوريا منذ سقوط نظام الأسد البائد، متوجةً بذلك تقارباً سياسياً وتنسيقاً أمنياً متنامياً بين البلدين، والذي جاء عقب زيارات متبادلة لوزراء خارجية البلدين ومسؤولي أجهزة المخابرات.

وكان السيد الرئيس أحمد الشرع، قد استقبل بقصر الشعب في دمشق أمس الأربعاء، رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، بحضور وزراء الخارجية والعدل والطاقة والمالية من كلا الجانبين.

وبحث اللقاء سبل تعزيز التعاون الثنائي في المجالات الأمنية، والاقتصادية، والتجارية، إضافة إلى مناقشة المستجدات الإقليمية والدولية وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

تحول تدريجي في المقاربة العراقية

وقال الباحث والمحلل السياسي، محمد زكوان كوكه، لصحيفة الفداء: إن الزيارة تأتي تعبيراً عن تحول تدريجي ومتنامٍ في المقاربة العراقية تجاه سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد المخلوع، في كانون الأول 2024.

فقد اتسم الموقف العراقي في المرحلة الأولى بالحذر والترقب، وكانت الاعتبارات الأمنية هي المدخل الأساسي للتعامل مع سوريا الجديدة. كما شهدت الأشهر اللاحقة انتقالاً تدريجياً من الاتصالات الأمنية والاستخباراتية إلى التواصل الدبلوماسي المباشر، وصولاً إلى هذه الزيارة التي تُعد الأولى لرئيس حكومة عراقية إلى دمشق منذ سقوط النظام البائد.

وأضاف كوكه: “تكتسب الزيارة أهمية إضافية من حيث توقيتها الإقليمي، في ظل تحولات كبيرة يشهدها المشرق العربي، وما يرافقها من التحديات المرتبطة بالأمن والطاقة والممرات التجارية.

فالعراق يدرك أن استقرار سوريا يرتبط بصورة مباشرة بأمنه الوطني، بينما تنظر دمشق إلى بغداد كشريك أساسي في استعادة دورها الاقتصادي والإقليمي.

كما تعكس الزيارة توجهاً نحو إعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أساس المصالح الوطنية ومؤسسات الدولة، بدلاً من بقائها رهينة الاصطفافات السياسية والإقليمية التي حكمت المرحلة السابقة.

وبالتالي، يمكن القول: إن الدلالة الأبرز لهذه الزيارة تكمن في انتقال العلاقات السورية – العراقية من مرحلة إدارة المخاوف المتبالغة إلى محاولة بناء الثقة وتطوير شراكة تستند إلى المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة.

مسار متراكم وتغير في طبيعة الملفات

وأوضح الباحث كوكه، أن المصالح المشتركة تستوجب التقارب بين الدولتين، وهذا التقارب قد يشكل في الوقت نفسه مدخلاً إلى مرحلة جديدة وأكثر استقراراً في العلاقات الثنائية.

الزيارة بحد ذاتها لا تمثل بداية التواصل بين دمشق وبغداد، بل تأتي تتويجاً لمسار بدأ منذ الأيام الأولى لسقوط النظام البائد، وتطور عبر سلسلة من اللقاءات السياسية والأمنية، أبرزها اللقاء الذي جمع، الرئيس أحمد الشرع، برئيس الوزراء العراقي السابق، محمد شياع السوداني، في الدوحة في نيسان 2025.

ويكمن التحول الحقيقي اليوم في طبيعة الملفات التي باتت تتصدر العلاقة، فبعد أن كانت الأولوية تنحصر إلى حد كبير في ضبط الحدود ومواجهة التهديدات الأمنية، أصبحنا أمام نقاش أوسع يتعلق بالطاقة والتجارة والاستثمار والربط الإقليمي.

وأشار إلى أنه من المبكر اعتبار هذا التقارب دليلاً على تجاوز جميع الخلافات والحساسيات، سواء المرتبطة بتاريخ العلاقات بين البلدين أو بالتوازنات السياسية داخل العراق أو بالتباينات في بعض الملفات الإقليمية. وعليه فنحن أمام بداية مرحلة جديدة من العلاقات عنوانها الانتقال من التنسيق الذي تفرضه الضرورات الأمنية إلى التعاون الذي تؤسسه المصالح الاستراتيجية طويلة المدى.

وأكد كوكه، أن الاختبار الحقيقي لهذه المرحلة سيكون في قدرة الطرفين على تحويل التقارب السياسي إلى ترتيبات مؤسساتية واتفاقات قابلة للتنفيذ، بحيث تكون العلاقة أكثر استقراراً وأقل تأثراً بتغير الحكومات والظروف الإقليمية.

ملفات الأمن والحدود تتصدر المباحثات

ويرى كوكه، أن أمن الحدود المشتركة يتصدر الملفات الأمنية حيث تمتد الحدود بين البلدين لأكثر من 600 كيلومتر، ترتبط بها تحديات تتعلق بمكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة ومنع انتقال التهديدات الأمنية بين البلدين.

بالنسبة إلى العراق، لا تزال تجربة تنظيم “داعش” وما ترتب عليها من تهديدات للأمن الوطني حاضرة في حسابات مؤسساته الأمنية، وهو ما يجعل استقرار الأراضي السورية، ولا سيما المناطق الشرقية والشمالية الشرقية، مسألة تتصل مباشرة بأمنه الداخلي.

وفي المقابل، تحتاج دمشق إلى تعاون وثيق مع بغداد لضبط الحدود ومنع تحرك الشبكات المسلحة وشبكات التهريب، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى مساحات تنشط فيها جهات خارجة عن سلطة الدولتين.

كما يبرز ملف المعتقلين المشتبه بارتباطهم بتنظيم “داعش”، وما يرتبط به من تعقيدات أمنية وقضائية وإنسانية، خصوصاً بعد نقل أعداد كبيرة منهم من مراكز احتجاز في شمال شرقي سوريا إلى العراق خلال العام الحالي. وهو ملف يتطلب تفاهمات قانونية واضحة وتبادلاً للمعلومات مع احترام اختصاصات القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

كما أن هناك بعداً أوسع يتعلق بضمان عدم استخدام أراضي أي من البلدين منطلقاً لأنشطة مسلحة تهدد الطرف الآخر، وترسيخ مبدأ سيادة الدولة على أراضيها واحتكار مؤسساتها الشرعية لقرار الأمن والسلم.

ومن اللافت أن مباحثات الزيارة تناولت ترتيبات لإرسال وفد أمني عراقي رفيع المستوى إلى دمشق، وهي إشارة إلى وجود توجه نحو تطوير التنسيق من مستوى التفاهم السياسي إلى آليات عمل مباشرة بين المؤسسات المعنية.

المحور الاقتصادي والطاقة.. أفق الشراكة الطويلة

وفي الملف الاقتصادي، أردف كوكه، أنه اليوم أحد أكثر أبعاد التقارب السوري – العراقي أهمية على المدى الطويل، نظراً إلى حالة التكامل الجغرافي والاقتصادي الممكنة بين البلدين، وإلى حاجة كل منهما إلى تنويع شراكاته ومنافذه التجارية.

ففي قطاع الطاقة، يبرز مشروع إعادة تأهيل خط النفط العراقي الواصل إلى ميناء بانياس السوري كأحد المشاريع الاستراتيجية. وقد انتقل هذا الملف من مستوى الطرح السياسي إلى توقيع مذكرات تفاهم خلال تموز الماضي، قبل أن يُعاد بحثه على مستوى القيادتين خلال الزيارة الحالية.

ويرغب العراق بتنويع منافذ تصدير نفطه وتقليل تعرض صادراته للاضطرابات التي قد تصيب طرق الملاحة التقليدية، بينما يمكن لسوريا الاستفادة من موقعها الجغرافي على البحر المتوسط عبر إيرادات العبور والخدمات اللوجستية والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة.

أما في المجال التجاري، فإن تطوير المعابر والطرق البرية وشبكات النقل يمكن أن يعيد لسوريا دورها التاريخي بوصفها ممراً اقتصادياً يصل العراق بأسواق المتوسط، ويفتح في الوقت نفسه فرصاً أوسع أمام المنتجات السورية لدخول السوق العراقية.

وفي ملف إعادة الإعمار، توجد فرص محتملة لمشاركة الشركات العراقية في قطاعات البناء والصناعة والطاقة والنقل، فضلاً عن إقامة شراكات إنتاجية واستثمارية بين القطاعين الخاصين في البلدين. لكن هذه الفرص تبقى مرتبطة بتوافر بيئة استثمارية مستقرة، وأطر قانونية واضحة، وآليات تمويل مناسبة.

ومن المؤشرات المهمة التي أفرزتها الزيارة بحث التحضير لمؤتمر اقتصادي سوري – عراقي مشترك، بما قد يتيح الانتقال من التفاهمات الحكومية إلى مشاريع استثمارية محددة. فالأهمية الاستراتيجية لهذا التقارب تكمن في إمكانية تحويل الجغرافيا المشتركة من حدود سياسية وأمنية إلى شبكة مصالح اقتصادية مترابطة، تصبح مع الوقت أحد عوامل استقرار العلاقة بين البلدين.

التنسيق الإقليمي واستقلالية القرار الوطني

وتابع الباحث كوكه: على المستوى الثنائي، يمكن للتنسيق المنتظم بين المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية أن يسهم في رفع كفاءة مراقبة الحدود، وتبادل المعلومات بشأن تحركات التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب، وتقليص فرص نشوء فراغات أمنية تستغلها الجهات المسلحة غير الحكومية.

إلا أن الأهمية الأوسع تكمن في أن تطوير العلاقة بين دمشق وبغداد يمكن أن يسهم في تعزيز مقاربة إقليمية تقوم على احترام سيادة الدول والتعاون بين مؤسساتها الرسمية، بدلاً من إدارة العلاقات عبر الاستقطابات والمحاور أو الجهات المسلحة العابرة للحدود. وفي هذا السياق، فإن استقرار العلاقة بين البلدين قد يساعد على تخفيف بعض مصادر التوتر في المنطقة، ولا سيما إذا ترافق مع تنسيق متوازن مع بقية دول الجوار، ومعالجة القضايا الأمنية من خلال الحوار والآليات الرسمية.

كما أن تطوير مشاريع الربط الاقتصادي والنقل والطاقة من شأنه أن يخلق مصالح متبادلة لا تقتصر على سوريا والعراق، وإنما تمتد إلى دول أخرى في المنطقة، وهو ما يمنح الاستقرار بعداً اقتصادياً إضافياً.

ومع ذلك، ينبغي التأكيد أن التقارب السوري العراقي لا يعني بالضرورة تشكل محور سياسي أو أمني جديد، ولا يستهدف بالضرورة طرفاً إقليمياً بعينه؛ فالجهود المبذولة اليوم هي محاولة لبناء علاقة مستقرة بين دولتين تجمعهما مصالح مباشرة، مع احتفاظ كل منهما بعلاقاته وحساباته الإقليمية الخاصة.

وبالنتيجة، فإن الأثر الإقليمي الأهم لهذا التقارب قد يتمثل في تعزيز استقلالية القرار الوطني لدى البلدين، وتقليل قابلية حدودهما ومجالاتهما الاقتصادية للتأثر بالصراعات الإقليمية.

مؤشرات النجاح والتقييم المستقبلي

يمكن النظر إلى هذه الزيارة باعتبارها خطوة سياسية مهمة تقاس نتائجها بقدرة الجانبين على ترجمة التفاهمات إلى إجراءات عملية قابلة للقياس.

في المجال الأمني، سيكون من المهم متابعة تنفيذ الترتيبات المتعلقة بزيارة الوفد الأمني العراقي إلى دمشق، ومدى نجاح المؤسسات المعنية في تطوير آليات منتظمة لتبادل المعلومات وتنسيق الإجراءات على الحدود، فضلاً عن تحقيق تقدم في معالجة الملفات القضائية والأمنية العالقة.

بينما يُعتبر الانتقال بمشروع خط النفط العراقي عبر الأراضي السورية من مذكرات التفاهم والدراسات الفنية إلى ترتيبات تمويل وتنفيذ واضحة من أهم مؤشرات التقدم في الملف الاقتصادي، إلى جانب التقدم في تطوير المعابر وشبكات النقل ورفع حجم التبادل التجاري.

ومن النتائج التي يمكن البناء عليها أيضاً عقد المؤتمر الاقتصادي السوري العراقي المشترك الذي جرى بحث التحضير له خلال الزيارة، شريطة أن يفضي إلى مشاريع محددة وشراكات استثمارية فعلية، لا أن يقتصر على تبادل التصريحات وإعلان النوايا.

وختم الباحث والمحلل السياسي كوكه تصريحاته بالقول: “على المستوى السياسي، فإن انتظام الزيارات المتبادلة وتفعيل اللجان المشتركة وتطوير آليات التشاور بشأن القضايا الإقليمية سيكون مؤشراً على انتقال العلاقة إلى مستوى مؤسساتي أكثر استقراراً”.

وتُعد فترة الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة مناسبة لتقييم الاتجاه العام لهذه العلاقة، من خلال النظر إلى ما تحقق فعلياً في الملفات الأمنية والتجارية ومشاريع الطاقة

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار