على ضفاف العاصي : العزاء للشعر .. للشعراء

 
      
ما الذي يُمكن أن يُقال في رحيلِ شاعرٍ من مقام ينبوع وحقلة قمح وأنهار ضوء ونور ..؟؟
ما لذي يُمكن أن يُكتب حين يلفّ الموتُ بيديه المرتعشتين بكل خشوع و قداسة جثمانا يرفل ويطفح بالأقمار وبالشموس ..؟؟
ما الذي يمكن أن نفكّر القيام به ونحن نتصفّح ذاك المنجز الإبداعي الباذخ من مجاميع شعرية معبأة بقصائد من فرات ومكدّسة بأسراب من عصافير .. قصائد لا تُشابه إلا أنثى الحلم ..الأنثى التي استحمت شموس بابل وكنعان وفينيق وسومر بين يديها لشرق على العالم حنونة رقيقة رحيمة..؟؟
ما لذي يمكن للشهيق وللزفير أن يرسما من آفاق وأنا أقرأ تلك الإهداءات التي خطّها بقلمه لي على صفحات دواوينه الشعرية.. وما يمكن أن أحبس من غصّات ودموع وأطلق من نشيج وألم وأنا أقرأ تلك الرسائل التي بيني وبينه حول قضايا عدة منها ما هو إشكالي .. والرؤى والآراء التي كنا نتبادلها في ما يتعلق بالشعر ..وما دار وما يدور من تحضيرات لانتخابات المجلس والفروع والجمعيات ..لاسيما جمعية الشعر ..؟؟
ألله يا ألله يا صديقي ما أجملك وأنت تتحدث نقاء نبي أو رسول عن ذاتك عن تجربتك ..علاقاتك وكم تشفّ وتشفّ وأنت تهمس لي عن بعض العلاقات الخاصة الخاصة التي تعكس رقة ونبلا وأصالة شاعر نقي مائي نوراني من مقامك أنت يا أخي ويا صديقي ..
من مقامك يا عبد الكريم شعبان  
نعم رحل الشاعر الكبير عبد الكريم شعبان بكل هدوء ..رحل تاركا كل هذا الكم الكبير الكبير من الشعر والحب والوفاء في نفوسنا جميعا ..رحل تاركاً أسئلة الشعر الأهم التي حاول أثارتها في غير نص وحوار و(كرعة) كأس نبيذ يليق به..
شاعر عرفته وربطتني به علاقة امتدت على مدار ربع قرن أو يزيد ..
أول مرة التقيت به حين كنت وأخي الشاعر طالب هماش في ضيافة صديقنا النبوي أيمن إبراهيم معروف وكان ذلك في مطلع تسعينيات القرن الماضي ومنذ ذلك الوقت أصبحت جبلة تعني لنا الكثير لاسيما نحن أسرة شعراء التسعينيات تعني عيسى عزيز إسماعيل– عبد الكريم شعبان رحمهما الله وأيمن إبراهيم معروف أمد الله في عمره .. أيقونات جبلة الثلاث 
لا نشاط لنا في جبلة وريفها ..في اللاذقية ..وحتى في طرطوس دون أن يكون لنا لقاء يجمعنا بهم ..
عبد الكريم شعبان صديقي وأخي والذي كان للاتحاد الأم الفضل الكبير في تنظيم لقاءات واجتماعات وسهرات بين الأدباء والكتاب والشعراء أعضاء الاتحاد على خلفية مؤتمر ما أو فعالية ما ..تلك اللقاءات التي كنا دائما ندعو لها ..لعقدها وتكثيفها لاسيما في مرحلة كهذه وذلك لأهمية الحوارات ..الحوارات التي نصرّ على إقامتها بيننا كسوريين ..
نعم اجتمعنا معا واقمنا معا في غرفة واحدة و لأكثر من مرة ..كل هذا ساهم في أن نكون أكثر من صديقين عاديين ..وأكثر قدرة على قراءة صفحات بعضنا بحساسية مختلفة مغايرة ..
اللقاءات والاجتماعات والسهرات حتى مطلع الفجر ساهمت تكريس قناعة أن الشعراء كل الشعراء الحقيقين هم من سلالة الأنبياء ..من سلالة قمح وماء ونور
سلام الشعر ..المحبة ..الجمال على روحك الشفيفة الرقيقة النقية الطاهرة يا عبد الكريم شعبان
سلام السلام ..سلام الأصالة الانتماء للخير للضوء للماء للتراب الهواء ..لسوريتنا 
سلامنا وأنت تعبر عالم الملكوت ماضيا تجاه الدهشة والرعشة والنشوة  لعيسى عزيز إسماعيل ..لمحمد الفهد لبشير العاني لعبد الوهاب الشيخ خليل لعزالدين سليمان للمدوح اسكاف لفايز خضور لعبد الاله الرحيل ..لكل كل أنبياء وانقياء وأتقياء وأشقياء الخمر والشعر والروح ..قل لهم يا عبد الكريم : ثمة فراغات مهيبة ورهيبة خلّفوها وراءهم وان القلق يزداد ويزداد 
وان البلاد التي أشبعوها شعرا وقصائد تغنت بحقول قمحها وقطنها وينابيعها وأنهارها تموت عطشا وجوعا وبردا ..
نعم يا عبد الكريم ..وأنت في علاك قبّل جباه الشهداء وإياك يا عبد الكريم أن تقصص لهم ما قد رأيت من حال لكي لا يحزنوا ..
نعم يا عبد الكريم وأنت في علاك افتح نوافذ النور والضوء وانثر ورد قصيدتك وضحكتك على وجوهنا ..رشّ وجوهنا بالماء لعلّنا ندرأ رعب اليباس اليباب ..
السلام السلام ..
ولنا ..للشعر العزاء يا صديقي
عباس حيروقة
المزيد...
آخر الأخبار