سارق النار يخدع زيوس

تروي الأسطورة أنّ ( بروميثوس ) قَولَب لعبةً من الطّين ساعيآ لمنحِها كلّ الصفات الإلهيّة. و عندما رأته الآلِهة عزمت كلٌّ منها على تقديم هِبةٍ. و هكذا، يقولون إنّ واحدةً منحتها زهوَ الطّاووس، و الأخرى وَجَلَ الأرنبة البريّة، و الأخرى ضراوة النّمِر، و الأخرى مَكر الثعلبة، و هكذا دواليك.و أخيرآ قرّر (زيوس) العظيم أن يجعل اللعبة حيّةً مُتيحاً لبروميثوس أن يُقولب ألعاباً أخرى كثيرة. لكي لا تظلّ وحيدةً. و هكذا وُلِدَ الإنسان البدائيّ الذي لم يكن لا رجُلاً، و لا امرأة. لأنّه كان خالداً. و لم يكن بحاجةٍ للتكاثر.
اتّبَعَ هؤلاء البشر الآلِهة التي كانت مثالُهم بامتياز و لكن، ذات يوم، أراد بروميثوس للنّاس أكثر من ذلك، لأنّه كان يحلم مثلهم بغزو الأولمب و خلع زيوس عن عرشِه! حتى إنّه أعلن أنّهم لن يكونوا بحاجةٍ للآلِهة. لا لطاعتها. و لا لعبادتها. ( سيكونون أساس كلّ الأشياء) .. حاولَ أيضاً تضليلَ زيوس، مُقدِّماً له هديةً. و لأجل ذلك قتلَ ثوراً جميلاً. و فصلَ اللحوم و الدِّهن و العِظام عن جِلد الحيوان. و طوّق العِظام بالدِّهن، و اللحوم بالجِلد، بحيث إنّ حِصَّةً صارت أكبر من الأخرى. إذّاك، قدّمَ مأدبةً لزيوس العظيم، طالِباً منه اختيار واحدةً من الحِصص لكي يتناولها. و على نحوٍ طبيعي اختار سيّد الأولمب الحِصّة الأكبر، لكنه غضب غضباً شديداً عندما اكتشف أنّ بروميثوس قام بخداعِه. وَ عَدا عن هذا، فإنّ بروميثوس كان قد سرقَ النّار الإلهيّة ( رمز الذكاء) لكي يهِبَهَا للبشر!
نادى زيوس بروميثوس، و سأله: سرَقتَ النّار لكي تهِبَها للبشر؟! فعلى أيّة أسسٍ صحيحة سوف تحكم استخدامها؟
كيف بوسعكِ القيام بلجم هذيان السُلطة الذي سوف ينشأ عنها؟
كيف ستتوصّل إلى عدم حصول الدّمار من ابتكارات النّار الإلهيّة على أيدي البشر الفاحِشين؟
حاول بروميثوس تضليل زيوس في إجابته. و ذلك بتقديم وليمة له من العِظام و الدِّهن، أو أنه، قام بممارسةِ العمل الأول الذي يرمز للشّرط الإنساني: و هو الخداع، و الكذب. قال بعضهم إنّ زيوس تعرّض بسذاجةٍ للخداع من قِبَل بروميثوس، باعتبار هذا الأخير أكثر حِنكةً. لكن عند التدقيق نجدُ أنّ زيوس أرادَ بقبولِه الحِصّة الأكبر إظهار الآلِهة بأنّها فوق الزّيف و المظاهِر و الكذب. و ما كان ظاهِراً ( أو أنها، الحصّة الأكبر) كان يجب أن يحتوي على التقدِمة الأعظم التي هي القسم العادل لكبيرِ الآلِهة.و لكن، بروميثوس، بإخفائه اللحوم في الحِصّة الأصغر ، افتتح الشّرط الإنسانيّ، و سوَّغَ الانفصال بين الناس و الآلِهة، إنه الدور الذي بدأ ينفصل فيه الجَّوهر عن المظهر.
و هكذا أعلن زيوس: جرَّبوا السُلطة، و استسلموا لهذياناتها. و جعلوا من المظهَر تضليلاً لهم عن الجَّوهر. خلقوا الازدواجية، و أحاطوا أنفسهم بالغموض. نشروا الفضيحة، و بذروا البلبلة.
قرّرَ زيوس مُعاقبة بروميثوس و البشر. فأمر بِشَدِّ وِثاق بروميثوس بالسّلاسل إلى إحدى قِمَم القوقاز، حيث راح عُقابٌ ذو جناحَين عظيمَين يتغذّى على كَبِده التي لا تموت و ذلك خلال ثلاثين قرناً. و أدان البشر بفقدانهم الخلود قائلآ لهم: سأترككم لمصيركم و قِسمتكم الخاصّة. أمرُ الآلِهة بأن تنطلقَ و تنسحبَ إلى السّماء، و أن يُهجَرَ الناسُ من الآن فصاعداً. أليس هذا ما أرادوه؟! و من الآن فصاعداً، جَعَلَت الآلِهة القَدَرَ طريقاً يجب تحقيقه. وأولئك، الذين يتبعونه سوف يحصلون على الطّمأنينة، أمّا أولئك الذين يرفضونه فلسوف يُجَرّونَ جرّاً. لا بل أعلنَ أيضاً أن كل شيء على الأرض سوف يكون له ثمن. فالإنسان سوف يحصل على غذائه مِن عَرَقِ جبينه. و أبداً، لن تأتيه الضّربة واحدةً بل ستكون مُضاعفةً ثلاث مرّات. و أمَرَ أخيراً، أن يكتسوا، لأنّ عُريَهُم لا يُظهِرَ الجَّوهر، و إنّما على العكس ففي المظهر تختفي الحقيقة!

د. بشرى عباس

 

المزيد...
آخر الأخبار