ليس معنى تسجيل الذكرى مجرد مناسبة للاحتفال، وإنما هو ضروري من أجل المراجعة، وتقييم المحطات السابقة والحاضرة، بهدف رسم آفاق المستقبل. لأن الحاضر ليس إلا النقطة الأخيرة في الماضي، ولأن المستقبل امتداد للحاضر.
لذلك لايمكن وعي حاضرنا وعياً تاماً إن لم نقيّم الشوط الذي تم قطعه منذ بداية عملية التغيير قبل 57 عاماً، والذكرى هي مناسبة لمثل هذا التقييم والمراجعة، ودون ذلك لايكون لها أي معنى.
تأتي الذكرى السنوية لثورة الثامن من آذار في ظروف مواجهة التحدي الإرهابي العدواني بعد تسع سنوات من حرب كونية إرهابية على سورية، لم يشهد التاريخ المعاصر لها مثيلاً في الإجرام والتدمير، وإسقاط الدولة.
وهدف الحرب الأساسي القضاء على تجربة استقلالية مميزة- بل تكاد تكون فريدة- بدأت مع فجر الثامن من آذار 1963، واستقامت وتعززت مع الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970، التي قادها باني سورية المعاصرة القائد التاريخي حافظ الأسد والذكرى ليست مجرد استعادة حدث ما من الذاكرة وإنما وقفة مراجعة وتبصر، خاصة إذا كان الحدث تاريخياً، وإذا كانت المراجعة ضرورية في الأحوال العادية، فإنها تصبح أكثر ضرورة وأهمية في ظروف التحديات المصيرية، والهدف من هذه المراجعة إعادة الاكتشاف المعرفي للأرض التي نقف عليها وللتجربة التي ندافع عنها بضراوة، وهذا يعزز لدينا اليقين في عدالة قضيتنا الوطنية في مواجهة هذه التحديات.
وهذا مايعطي تجربتنا الاستقلالية الناجحة ماكان عليها من هذا الهجوم الإرهابي ويطرح علينا السؤال التالي: مامعنى الاحتفال بذكرى ثورة الثامن من آذار؟
وكيف نقيم الشوط المقطوع من عمر الثورة؟ هناك عدة معايير يمكن عبرها قياس النجاح أو الفشل:
أولها: معيار التحول الاجتماعي: لاشك هناك تحولات اجتماعية نوعية جمة طرأت على المجتمع العربي السوري منذ عام 1963 وحتى اليوم، بنية ونسبة التعليم، التطور في الوعي الاجتماعي، مستوى الثقافة، الخدمات الصحية، السكانية.
ثانياً: التحول الاقتصادي النوعي:
وصلت سورية إلى اقتصاد ويقوم على ثلاثة أسس: الأمن الغذائي الشامل، التطور الزراعي والصناعي النوعي، الارتفاع بمستوى الناتج الإجمالي، دخل الفرد حيث وصلت سورية إلى 23 مليوناً يطعمهم اقتصادهم الداخلي الذي يتمتع بحيوية وكفاءة جعلته قادراً على الصمود في وجه حرب إرهابية طويلة وإرهاب اقتصادي شامل إلى جانب استمرارها دون استدانة من بيوتات المال الدولية وبنى تحتية واسعة .
ثالثاً : التحول السياسي:
كان من أكثر التحولات أهمية فبعد أن كانت سورية مجرد دولة منفعلة تتقاذفها التدخلات من كل حدب وصوب, أضحت في عهد آذار, وبعد أن استقامت الثورة بحركة التصحيح التي قادها القائد المؤسس حافظ الأسد, دولة تتمتع باستقلال سياسي حقيقي في منطقة لايوجد فيها استقلال حقيقي, منطقة تقع دولها وأنظمتها في دائرة تبعية مذلة ومهينة تتخطى علاقة العبد والسيد إلى ماهو أسوأ.. لنصل إلى السؤال التالي:
هل مانعيشه الآن من تحديات دليل نجاح الثورة أم فشلها؟
لو أن الثورة فشلت في بناء صرح استقلالي لما كان هناك حاجة كي يحاربها أعداء الاستقلال بهذه الوحشية. إن مجرد حشد هذه الترسانة الضخمة من السلاح الحديث والمبالغ الهائلة من الأموال ( 150 مليار دولار) والأعداد الكبيرة من المرتزقة الإرهابيين وأخيراً نزول الأصيل العثماني الجديد هو دليل على أن الأعداء شعروا بخطر زراعة الثامن من آذار (الظاهرة السورية) على خططهم ومشاريعهم في المنطقة.
كما أن اصطناع حرب مركبة فيها جميع أنواع الحروب العسكرية والإعلامية والنفسية والاقتصادية والسياسية إنما يؤكد أنهم اكتشفوا أن سورية إذا تُركت فسوف تكون مركز استقلال وكرامة ينتشر تأثيره على المجتمعات القريبة منها على مستوى الوطن العربي.
لو أن عهد آذار فشل لما كان أعداء العروبة والاستقلال من قوى الاستعمار الجديد والإرهاب والصهيونية وأتباعهم التكفيريين الرجعيين بحاجة إلى هذه الهيستريا وهذا المستوى من الهيجان الأردوغاني ضد سورية .
الآن ماهو المطلوب من ثورة الثامن من آذار التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1963، إنه سؤال استدلالي منطقي يستنبط الحقيقة من الواقع بعيداً عن المماحكات السياسية والفكرية وهو استنتاج يستند إلى مقدمات مرئية ومسموعة ومحسوسة لا إلى مجرد مقولات ذهنية. تنجح الثورات عادة عندما يكون لديها القدرة على التطوير الذاتي في الحزب الذي يقود الثورة وفي صيغ السلطة وأدواتها.
ولعل من أهم العوامل التي أدت إلى استمرارية ثورة آذار هو هذه القدرة التي امتلكها حزبنا على التطوير الذاتي مع كل مرحلة , بل إن التطوير الذاتي كان في كل مرحلة يستبق التطور الواقعي مما جعل الحزب قادراً على قيادة ذاك التطور في الواقع .
إن امتلاك البعث القدرة على التجديد الذاتي مع كل مرحلة جعله قادراً على الاستمرار في قيادة الأحداث وتوجيهها.
إننا اليوم ونحن نحتفل في الذكرى السنوية لثورة آذار هي محطة للمراجعة , والمراجعة منطلق لتجديد الطاقة وتعزيز التوجه نحو الأمام بثبات ويقين, لذا يكتسب الاحتفاء بالمناسبة معنى وظيفياً راهناً.
ـ إن المهمة الأساسية اليوم هي الاستمرار في تطوير قدراتنا وطاقاتنا استناداً إلى تجربة غنية، وهي تجربة مبنية على تجارب سبقتها خاضها حزبنا وشعبنا في الكفاح ضد جميع محاولات التدخل في شؤوننا وترسخت هذه التجارب ثقافة كفاحية وتراث تحرري مقاوم أضحى عنواناً للشعب العربي السوري عبر ثلاثية الصمود السوري الأسطوري، شعب صامد وجيش باسل وقائد فذ بقيادة رمز صمودنا وثباتنا معجزة حروبنا المعاصرة السيد الرئيس بشار الأسد
مدير مدرسة الإعداد الحزبي بحماة
– الرفيق عبد الله عيسى عبد الله
المزيد...