على ضفاف العاصي : من قصص الفصول ..السماء

حين يتفكّر إنسان اليوم ببعض الحكم والأمثال والأقوال التي أتت بها أو عليها الأوائل أو بآلية وطريقة تقسيمات اليوم والشهر والسنة وفصولها ..الخ ، يدرك أنها عكست قدرتهم على قراءة مفردات الله المسطورة في آفاقه والتي لم تتأت إلا نتيجة لطاقات روحية باذخة وحيوية ذهنية استثنائية مكنتهم من تدوين رؤاهم تلك.
ومما لاشك فيه أنهم لم يصلوا إلى تلك القراءات الماتعة بين ليلة وضحاها، بل نتيجة لخيال ومخيال وذاكرة جمعية نشطة عززتها حيويتهم الذهنية وفطنتهم وقوة بصرهم وبصيرتهم مكنتهم من خوض تجارب حياتية تناقلت ثمراتها الأجيال ..
فأصبحوا لا سيما أبناء هذه الجغرافيا – جغرافية النور – سادة في قراءة دفتر السماء، لا بل في كتابة فصوله وأساطين في الرسم والنحت في مشغل الفصول الأبدي السرمدي.
وإلا ما معنى أن يقف رجل كهل بعد أن يتفحص السماء قليلاً ليقول لك :
غداً الجو ماطر، أو عاصف، أو مشمس، أو حارق، أو ..الخ وحين سؤاله عن آلية القراءة لدفتر السماء يبتسم ويبدأ الشرح بطريقة تنمُّ عن فطنة ونباهة وبداهة نفتقدها يوماً إثر يوم
وحين تقف أمامك امرأة عجوز وتقول لجارتها وهي تشعر بدفء الهواء : هي الجمرات إذاً بدأت بالسقوط، وحين تسألها عن أية جمرات تتحدثين يا جدتي ؟؟ تبتسم ابتسامة العارف أمام الجاهل وتتابع: الجمرة الأولى تسقط في العشرين من شباط وتسمى (جمرة الهواء) حينها نشعر بدفء الهواء، والجمرة الثانية تسقط في السابع والعشرين من شباط وتسمى ( جمرة الماء) حينها نشعر بدفء الماء، أما الجمرة الثالثة فهي ( جمرة الأرض) وتسقط في السادس من آذار حينها يشعر المرء بدفء الأرض .
نعود ونسأل كم استغرق من زمن قراءة كتاب المناخ ؟؟
وكم استغرق من جهد كتابة فصوله..؟!
نعم القدرة على قراءة مفردات الطبيعة تساعدنا كما ساعدت أجدادنا من قبل ولاسيّما أبناء القرى على تدبّر أمور حياتهم الزراعية على أقل تقدير.
نعم كم اجتهدوا في تقسيم فصول السنة تقسيمات هامة مازالت متداولة إلى يومنا هذا نتيجة نيلها ثقة عامة الناس، فكم سمعنا من الأجداد وما زلنا قولهم: إن الشتاء كفصل يقسم إلى أربعينية وخمسينية.
فالأربعينية تبدأ من 21 كانون الأول حتى الثلاثين من كانون الثاني، وقيل فيها الكثير من الأمثال: ( إذا ماعجبك حالي ببعتلك السعود خوالي ).
أما خمسينية الشتاء فهي أكثر غنى من حيث التقسيم والحكم والأمثال التي قيلت فيها ومدتها خمسون يوماً تبدأ من حيث انتهاء الأربعينية أي من 31 كانون الثاني وحتى 21 آذار وتقسم إلى أربعة أقسام تسمى (بالسعود) وهي: سعد دبح – سعد بلع – سعد السعود – سعد خبايا، ومدة كل منها 12,5يوماً.
ومن أهم ما قيل فيها :
سعد دبح: (فلاحو ما فلح وراعيه ما سرح وكلبو ما نبح).
سعد السعود: ( بتدب الماوية بالعود وبيدفا كل مبرود) .
سعد خبايا: (بتطلع الخبايا وبتتفتل الصبايا).
ما أردت قوله: كم علينا التدرب على قراءة مفردات الفصول والحفاظ عليها كأهم مفردة من مفردات تراثنا الشفاهي الذي لايقل أهمية عن تراثنا الثر.

عباس حيروقة

المزيد...
آخر الأخبار