بقلم أمين التحرير: فراس اليحيى
هل ما زلنا نتحكّم في استخدامنا للإنترنت، أم أصبح هو من يوجّه انتباهنا؟ كيف تحولت المقاطع القصيرة من وسيلة ترفيه عابرة، إلى سلوك يومي قهري، ويؤثّر بصمت على قدرتنا على التركيز والصحة النفسية؟ ولماذا بات الشعور بالملل والضيق حاضراً بقوة عند الابتعاد عن الهاتف، وكأن عقولنا لم تعد قادرة على الهدوء خارج السرد الرقمي المتعمّد؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت واقعاً يفرض نفسه على مستخدمي السوشال ميديا، ويستدعي وقفة جادة لفهم مخاطر إدمان الإنترنت، وآثاره النفسية، وسبل الوقاية منه قبل أن يتحول إلى أزمة صامتة تهدّد توازن الإنسان المعاصر.
تهديد صامت للصحة النفسية والقدرة الإدراكية
يشهد العالم خلال السنوات الأخيرة، تحولاً كبيراً في آلية استخدام المعلومات، حيث لم يعد الإنترنت مجرّد أداة مساعدة في التعلّم أو التواصل، بل أصبح بيئة متكاملة تشكّل الوعي والسلوك اليومي للأفراد.
ومع الانتشار الساحق لمقاطع الفيديو القصيرة على تيك توك وانستا غرام وفيس بوك، برزت ظاهرة جديدة يمكن وصفها بـ “إدمان المحتوى السريع”، وهي ظاهرة تحمل في طياتها مخاطر نفسية ومعرفية متزايدة.
تعتمد هذه المقاطع على مبدأ التحفيز الفوري، والمكافأة السريعة (سرعة الوصول للنهاية)، إذ يحصل المستخدم على محتوى مكثفاً ومثيراً خلال ثوانٍ معدودة، ما يؤدي إلى إفراز متكرر لهرمون الدوبامين المرتبط بالشعور بالمتعة.
دراسات علمية وآراء مختصين
ويرى مختصون في علم النفس، أن هذا النمط المتكرر من التحفيز، يخلق مع الوقت حالة من الاعتماد النفسي، تجعل الدماغ أقل قدرة على الاستمتاع بالأنشطة الطبيعية التي تتطلب جهداً ذهنياً، أو صبراً، مثل القراءة، الدراسة، أو حتى الندوات الحوارية الاجتماعية.

وتشير العديد من الدراسات الحديثة، إلى وجود علاقة ارتباط واضحة بين الاستخدام المفرط للإنترنت، والمقاطع القصيرة، وبين اضطرابات الصحة النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب والقلق، فقد أظهرت أبحاث أُجريت على طلاب جامعات، أن الأفراد الذين يقضون وقتاً طويلاً في مشاهدة الفيديوهات القصيرة، يعانون من معدلات أعلى من أعراض الاكتئاب، مثل فقدان الدافعية، اضطرابات النوم، والشعور بالفراغ النفسي، والنسيان السريع للمعلومات.
كما بيّنت دراسات أخرى أن هذا النوع من الإدمان يرتبط بانخفاض تقدير الذات، نتيجة المقارنة المستمرة مع محتوى مثالي ومنتقى بعناية لا يعكس الواقع.
أصبح ضعف التركيز وتشتت الانتباه من السمات الواضحة والتي يتميز بها مستخدمي المحتوى السريع، حيث يواجه كثيرون صعوبة في متابعة محاضرة كاملة، أو قراءة مقال تفسيري، أو قراءة مقال في جريدة، حيث يعدّ خطراً حقيقياً على العملية التعليمية والإنتاجية المهنية.
وعلى المستوى الشخصي والمعارف الضيقة، بدأنا نشعر بعزلة واضحة لا يسدّها سوى الجوال، فقد حلّت محلّ تجمّعات الأهل والأصدقاء، وسواء كان هناك جلسة عائلية، نرى كل منهم يمسك بجواله وكأنه يعيش عالمه الخاص، جسد بلا روح.
ولكن من غير المنطقي أن نلقي باللوم الكامل على التكنولوجيا فهذا تهرّب واضح، ودليل على أننا ضحايا استهلاك هذه المقاطع ، فالمشكلة الحقيقية تكمن في غياب الوعي الرقمي، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات التعليمية والإعلامية، وإن الاستخدام غير المنضبط لهذه التقنيات دون توجيه أو ضوابط، يحوّل أداة المعرفة إلى عامل استنزاف ذهني ونفسي.
من أراد النجاة

تبدأ الوقاية من إدمان الإنترنت بالاعتراف بوجود المشكلة، ثم اتخاذ خطوات عملية تبدأ بوضع حدود زمنية واضحة لاستخدام منصات التواصل، وتعطيل التشغيل التلقائي للمقاطع القصيرة، ولعل الأهم من خلال تعزيز الأنشطة البديلة التي تتطلب تفاعلاً واقعياً، مثل الرياضة والقراءة.
إن الإنترنت ليس شرّاً كاملاً، لكنه يصبح خطراً واقعياً حين يستخدم بلا وعي أو ضوابط، وإن المقاطع القصيرة، رغم بساطتها الظاهرة، قد تسهم في إضعاف العقل، واستنزاف الصحة النفسية على المدى البعيد.
#صحيفة_الفداء