الفداء_ رشا حسانة
ليست معارض الكتاب مجرد مناسباتٍ موسمية لاقتناء الكتب، بل هي لحظاتٌ ثقافية مكثّفة تكشف عن علاقة المجتمع بالمعرفة، وعن موقع الثقافة في سلّم أولوياته. فحين يُفتتح معرض للكتاب، يُفتح معه فضاء للحوار، وتُستعاد أسئلة الفكر، ويُعاد وصل ما انقطع بين القارئ والكتاب، وبين المدينة وذاكرتها الثقافية.
دمشق، التي كانت على الدوام مدينةً للعلم والفكر والمكتبات، لم تفقد يوماً هويتها الثقافية، وإن خَفَتَ حضورها في بعض المراحل.
واليوم، مع عودة معارض الكتاب، تبدو هذه المدينة وكأنها تستعيد صوتها الثقافي، وتؤكد من جديد دورها التاريخي كمركزٍ للمعرفة والحوار، لا بوصفه ذكرى، بل كواقعٍ متجدّد.
ولا يُقاس الأثر الحقيقي لمعارض الكتاب بعدد العناوين المعروضة أو الزوّار فحسب، بل بقدرتها على إعادة الاعتبار للقراءة بوصفها فعلاً يومياً، وحاجةً معرفية لا ترفاً ثقافياً.
فهي تخلق حالةً تفاعلية بين الكاتب والقارئ، وتمنح الشباب والأطفال فرصةً للانخراط في عالم الكتاب، في زمنٍ تتزاحم فيه الوسائط الرقمية وتكاد تُقصي القراءة الورقية.
وتمثّل معارض الكتاب مساحةَ إنقاذٍ حقيقيةً لقطاع النشر، الذي يعاني تحدياتٍ اقتصاديةً وثقافيةً متراكمة. فوجود الناشر والمؤلف في مكانٍ واحد، وفتح قنوات الحوار المباشر مع الجمهور، يعيد للكتاب قيمته المعنوية، ويمنح صناعة النشر دفعةً معنويةً ومهنيةً هي بأمسّ الحاجة إليها.
ولا يمكن تجاهل البعد الرمزي لهذه المعارض، خاصةً في دمشق، حيث يتجاوز الحدث طابعه الثقافي ليحمل رسالةً واضحةً مفادها أن الثقافة ما زالت قادرةً على جمع الناس، وأن الكتاب ما زال أداةً لبناء الوعي، وتشكيل الهوية، ومواجهة التحديات بالفكر لا بالعزلة.
وتهدف معارض الكتاب إلى إعادة الثقافة إلى المشهد العام، وتوسيع دائرتها في المجتمع؛ فهي لا تكتفي بالاحتفاء بالموروث الثقافي، بل تفتح المجال أمام أسئلة الحاضر، وتمهّد لوعيٍ ثقافيٍّ قادرٍ على صناعة المستقبل.
إن عودة معارض الكتاب إلى دمشق ليست حدثاً عابراً، بل مؤشرٌ على استعادة المدينة دورها الطبيعي كمنارةٍ للعلم والمعرفة، ورسالةٌ مفادها أن الثقافة، مهما تراجعت ظروفها، قادرةٌ دائماً على النهوض حين تجد من يؤمن بها ويمنحها المساحة التي تستحقها.
#صحيفة_ الفداء