للسيرة الذاتية نكهة خاصة في الأدب , لأنها تغامر في الكشف عن خفايا النفس البشرية , وربما تقدم إجابات ملحة لمجتمع ما ,أو فئة من الناس,وقد تغوص في أسرارها الذاتية ,ولكن د. رضوى عاشور قدمت رحلة تمزج الخاص بالعام ,هي قراءة لمجتمع غريب عنا في أغلب مفرداته الحياتية .
البداية من مصر …. هي امرأة في مقتبل العمر (لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها ) ذهبت إلى الولايات المتحدة الأمريكية ,للحصول على درجة الدكتوراه بالأدب الإنكليزي ,هي امرأة عربية مسلمة , من مجتمع شرقي (جمهورية مصر العربية),عريق ومغرق بحضارته التي تمتد إلى آلاف السنين ,تقصد بلداً هو الولايات المتحدة الأمريكية المتقدم علمياً والفقير تاريخياً وحضارياً(عمره التاريخي لا يتجاوز خمسة قرون ) تدخل هذا العالم الغريب بطقوسه وعاداته ,طبعاً الرحلة ابتدأت عام 1974,بعين فاحصة تكتشف زيف شعاراتهم وتشدقهم بحقوق الإنسان ,فتقدم خطاباً نشرته صحيفة النيويورك تاميز . نص الخطاب كاملاً لفرديريك دوغلاس القائد الأفرو-أمريكي ,نقتطف منه:نحن نسلك مثل أمة مثيرة للاشمئزاز المقزز ,إن أمريكا زائفة في ماضيها ,زائفة في حاضرها ,وقد آلت على نفسها أن تكون زائفة في مستقبلها .عيد استقلالكم …ماذا يعني للعبد الأمريكي ,ليكشف مدى الظلم الفظيع والقسوة الواقعين عليه ,استقلالكم زائف ,حريتكم التي تفاخرون بها تحلل منحط ,مجدكم الوطني عنجهية متورمة ,أصوات ابتهاجكم أصوات فارغة لا قلب ,إدانتكم للطغاة وقاحة تلبس درعاً من الصفيح ,صيحات الحرية والمساواة التي تطلقونها سخرية جوفاء ,صلواتكم وابتهالاتكم وعظاتكم وأعياد شكركم بكل مافيها من استعراض ديني ليست سوى جعجعة وزيف وخداع وفسق ونفاق ,إنها ليست سوى الغلالة الرقيقة التي تخفي جرائمكم الكفيلة بإلحاق العار بأمة من البرابرة ,فليس هناك أمة على وجه الأرض تقترف أعمالاً دموية وصادمة كالتي يقوم بها حكام شعب الولايات المتحدة الأمريكية .
هذا الخطاب ألقي في روشيستر عام 1852 ,إنه الخطاب السياسي الإنساني يدخل في بنية المجتمع الأمريكي ,يرفع الغطاء عن ساسة (زعران وبلطجية ) يقودون مجتمعهم والعالم إلى الهاوية والدمار والخراب ,أينما يحل الأمريكي(المارينز) يزرع الموت والجحيم من فيتنام إلى العراق الذي يسبح ببحر من الدماء ,ومن يستعرض تاريخ دمويتهم يكتشف بأن القابع في البيت الأبيض (يجب أن يسمى البيت الأحمر) ليس أكثر من كبير المجرمين بالعالم ,ويريد أن يستحوذ على خيرات العالم على حساب شعوب الأرض .
الدكتورة رضوى عاشور تقدم بعضاً من الملامح الإيجابية في المجتمع الأمريكي ,وتحديداً تلك الفئات المثقفة التي لم تلوث بالعنصرية والشيفونية , تسعى بكل إمكانياتها المتواضعة لتناصر القضية العربية الفلسطينية والقضايا العادلة بالعالم,ورغم حضورها الخجول ,ولكن تسعى لتؤكد موقفاً إنسانياً نبيلاً , وتلخص د. رضوى عاشور فسيفساء المجتمع المتنافر والمتناقض ,وذلك لهيمنة فئة محتكرة المال والسلطة ,فئة اختطفت قيادة المجتمع بالقوة المادية والإعلامية ,مسكونة بأمراض التفوق والسيادة على الكرة الأرضية .
هل هو عمل أدبي أم ….؟
ربما ما قدمته د. رضوى عاشور هو أقرب لمذكرات (شخصية +عامة ) فتاة من الشرق ,دونت ما رأته وما سمعته وعاصرته في بلد يرمي بشباكه الجهنمية في كل أصقاع الأرض, ولهذا نراها في مواضع كثيرة يخبو ألقها كنص روائي, وفي مكان آخر تسمو باللغة وجمالية السرد وفي جانب آخر تقدم الوقائع بطريقة أقرب للتقريرية, رغم أنها لم تعنون كتابها كنص روائي أو مذكرات ,وإنما هي يوميات طالبة في بلاد الغربة.
بقي أن نتذكر بأنها زوجة الشاعر العربي الفلسطيني مريد البرغوثي صاحب التجربة الشعرية المتميزة في الشعر العربي الحديث ,وهي أم الشاعر تميم البرغوثي صاحب الحضور الجميل في المنتديات الثقافية والأدبية.
محمد أحمد خوجة