الفداء_ رهام الخالد
يجلس أبو حسن عند مدخل بيته الريفي شرق حماة، يراقب الدلة على النار بهدوء، وما إن يلمح ضيفاً يقترب حتى ينهض ممسكاً الفنجان، كأنما يستعد لاستقبال حكاية جديدة لا مجرّد زائر.
ومن هذا المشهد اليومي، تبدأ قصة القهوة المُرّة في الريف، التي تحولت من مشروب بسيط، إلى رمز متجذّر للضيافة والكرم وحفظ العهد.
حيث تعدّ القهوة المرّة، من أبرز العادات الاجتماعية المتأصلة في الريف الحموي، إذ لا تقتصر على كونها مشروباً يومياً، بل تمثّل دستوراً للضيافة والاحترام والتواصل الاجتماعي، وتحمل في طقوسها دلالات عميقة متوارثة عبر الأجيال.
طقوس التحضير من النار إلى الدلة
تُحضّر القهوة المرة بعناية فائقة، تبدأ بتحميص حبوب البن على نار هادئة، ثم طحنها يدوياً في كثير من الأحيان، قبل غليها على مهل في الدلة دون إضافة السكر، لتبقى بطعمها المر الذي يعكس الصبر والوقار.
كما تقدّم في المناسبات كافة دون استثناء، ففي الأفراح تكون إعلاناً عن المسرة واستقبالاً للضيوف، وتسبق غالباً الولائم والمناسبات السعيدة.
أما في الأحزان، فتُقدّم بصمت واحترام تعبيراً عن المواساة، والوقوف إلى جانب أهل الفقيد، بعيداً عن أي مظهر من مظاهر البهجة.
حيث يتجسد طقس ضيافتها، بمسك المضيف الدلة بيده اليسرى والفنجان باليمنى، ويقدمه للضيف وقوفاً تقديراً له، ويُشرب الفنجان عادةً على جرعات صغيرة، ولا يُعاد ملؤه إلا بطلب أو إشارة من الضيف، في دلالة على الذوق والاحترام المتبادل.
كسر الفنجان.. ميثاق القرار الذي لا رجعة فيه
في بعض المجالس، يقوم أحدهم بكسر الفنجان بعد شربه، كتعبير عن موقف حاسم أو عهد لا رجعة فيه، وغالباً ما يرتبط بقضايا الصلح، أو الوعد، أو الفصل في نزاع ما.
ويعدّ كسر الفنجان إعلاناً قاطعاً عن انتهاء الأمر أو تثبيت الكلمة، ولا يُقدم عليه المضيف إلا في مواقف نادرة تحمل وزناً اجتماعياً كبيراً.
المعاني الاجتماعية لفناجين القهوة
ليس فقط النكهة الفريدة، يحمل فنجان القهوة المرة معانٍ، فهناك فنجان الهيف، الذي يشربه المضيف أو من يصب القهوة أولاً أمام ضيفه، والهدف منه إثبات جودة القهوة وطمأنة الزائر، وهي عادة تهدف لتعزيز الأمان.
أما فنجان الضيف، هو الفنجان الأول الذي يُقدم للزائر، ويجب عليه شربه تعبيراً عن قبول الترحيب. وبالنسبة لفنجان الكيف، يكون الثاني أو الثالث، ويشربه الضيف للاستمتاع بمذاق القهوة، ويشير إلى استحسانه للمذاق.
بينما يعتبر فنجان السيف، الأقوى، ويشير إلى وجود صلة وثيقة، أو طلب جاد ومسؤولية مشتركة.
حركات الفنجان.. لغة الإشارة الصامتة
يُعدّ “هز الفنجان” إشارة صريحة للاكتفاء وعدم الرغبة في المزيد، بينما يعني رفع الفنجان دون هزه رغبة الضيف في الزيادة.
أما قلبه في بعض العادات، فيشير إلى أن الضيف يحمل في جعبته طلباً خاصاً، أو مشكلة تتطلب التدخل (دم أو ثأر).
وتبقى القهوة المرة جزءاً لا يتجزأ من الهوية الريفية الحموية، إذ تجسد قيم الكرم، وتعكس روح الريف القائمة على البساطة والصدق وحفظ العادات، وما زالت حاضرة بصفتها شاهداً على إرث ثقافي حيّ لم تفقده الحداثة بريقها.
#صحيفة_الفداء