الفداء_ رشا حسانة
تستعيد دمشق حضورها في المشهد الثقافي الإقليمي والدولي بوصفها مدينة للكتاب والفكر والحوار، باحتضانها دورة معرض الكتاب الأولى، التي تُقام لأول مرة بعد التحرير يوم غد الجمعة.
وتُعدّ معارض الكتاب من أبرز الفعاليات الثقافية التي تتجاوز مفهوم العرض والبيع، لتغدو منصات فكرية فاعلة تُسهم في تنشيط الحراك الثقافي، وبناء الوعي المجتمعي، وتعزيز التواصل المعرفي بين مختلف فئات المجتمع.
ومع عودة تنظيم هذه المعارض، تبرز أهميتها بوصفها مؤشراً على حيوية المشهد الثقافي وقدرته على التجدد، ولا سيما في مدينة دمشق التي شكّلت عبر تاريخها الطويل مركزاً للعلم والفكر والأدب.
وتأتي هذه الدورة الاستثنائية بطابع خاص، كونها أول دورة بعد التحرير، وتحمل بُعداً وطنياً وتاريخياً يضع الأساس لدورات مستقبلية أكثر توسعاً وتأثيراً.
رسالة أمة وشعار مرحلة
تحت شعار “تاريخٌ نكتبه.. تاريخ نقرؤه”، يعبر المعرض عن أن ما كتبناه بالأمس نقرؤه اليوم ونرسمه للغد، وأن القراءة ليست استهلاكاً للماضي، بل وعياً به وبناءً عليه.
ويحمل المعرض رسالةً مفادها أن الأمم لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بما تكتبه وتقرؤه، وأن التاريخ ليس ما حدث فقط، بل ما نختار أن ندوّنه ونفهمه وننطلق منه نحو المستقبل.
وتهدف هذه التظاهرة إلى ترسيخ دور الكتاب في توثيق التاريخ وصناعة الوعي، ودعم حركة النشر والتأليف، وتحويل المعرض إلى منصة دائمة لإنتاج المعرفة، لا مجرد مساحة لعرض الكتب.
استدامة صناعة النشر والتفاعل الدولي
وفي تصريح خاص لصحيفة الفداء، أفادت مسؤولة التنسيق الإعلامي في وزارة الثقافة، رنيم عابورة، بأن المعرض يُسهم في دعم قطاع النشر وصناعة الكتاب، عبر توفير مساحة تفاعلية تجمع الناشرين بالكتّاب والمؤلفين، وتنشّط حركة التأليف والترجمة والطباعة، بما يعيد لدمشق دورها كحاضنة للنشر والمعرفة.
وأضافت عابورة أن أكثر من 500 دار نشر من 35 دولة عربية ودولية تشارك في هذه الدورة، تتوزع بين دور نشر وطنية وعربية وأجنبية، إضافة إلى مشاركات نوعية متخصصة في مجالات الفكر والتاريخ والأدب وكتاب الطفل والترجمة.
كما يستضيف المعرض وفوداً رسميةً ومجتمعيةً وثقافيةً من مختلف دول العالم، تتقدمها المملكة العربية السعودية ودولة قطر كضيفتي شرف.
الفعاليات.. فضاءٌ جامعٌ للحوار
ولا تقتصر أهمية المعرض على العرض، إذ ترافقه ندواتٌ فكرية وأمسيات أدبية، وجلسات نقاش تُسهم في رفع مستوى النقاش العام وتعزيز التفكير النقدي.
ويضم البرنامج الثقافي المتكامل أكثر من 650 فعالية، تشمل حفلات توقيع الكتب، وورشاً تدريبية، وجلسات حوار مع كبار الكتّاب والمفكرين.
كما يحتضن المعرض “الصالون الثقافي” المخصص للفعاليات الجماهيرية، الذي يتسع لنحو 850 شخصاً، إضافةً إلى “منتدى دمشق الثقافي” وقاعة محاضرات مجهزة.
ويشكّل هذا المحفل فضاءً جامعاً يلتقي فيه القرّاء من مختلف الخلفيات، ما يحوّل الثقافة إلى ممارسة يومية مشتركة تتجاوز النخب لتصل إلى شرائح واسعة من المجتمع.
بناء الإنسان وتحفيز الإبداع
تُسهم معارض الكتاب في ترسيخ ثقافة القراءة وتشجيعها، ولا سيما لدى فئتي الشباب والأطفال. ولتحقيق ذلك، خُصصت مساحة للطفل تبلغ 1000 متر مربع، تضم أنشطةً أدبية وفكرية وترفيهية، تهدف إلى تنمية مهاراته المعرفية واللغوية.
وتتويجاً لهذا الجهد، أطلقت وزارة الثقافة حزمةً من الجوائز، تشمل جائزة الإبداع للناشر السوري، وجائزة الإبداع الدولية، وجوائز متخصصة لنشر كتاب الطفل، إضافة إلى جوائز للكتّاب السوريين، وجائزة الإبداع للشباب لإبراز أصواتهم في المشهد الثقافي.
كما تُمنح “جائزة شخصية العام” تقديراً لشخصية أسهمت في خدمة الفكر والمعرفة في المشهدين السوري والعربي.
وفي المحصلة، تؤكد عودة هذه المعارض دورها بوصفها رافعة ثقافية وتنموية، تعيد الاعتبار للثقافة في مسار التنمية المستدامة، وتعيد دمشق إلى موقعها الطبيعي منارةً للعلم والمعرفة في المنطقة.
#صحيفة_ الفداء