بقلم إكرام منينة
لم تكن ريما فتاة سيئة يومًا، كانت بنتًا عادية جدًا، بريئة، حساسة، وتحلم بحياة جميلة مثل أي فتاة بعمرها. كانت تضحك من قلبها، تحب التفاصيل الصغيرة، وتؤمن أن العالم مكان آمن طالما أن نيتها صافية.
لكن المشكلة أن النية الطيبة وحدها لا تكفي دائمًا لحمايتنا.
كبرت ريما في زمن صار فيه كل شيء يُقاس بالمظاهر. من يملك أكثر يُرى أكثر، ومن يظهر أكثر يُصدّق أكثر. السوشال ميديا رسمت عالمًا مزيفًا لكنه بدا حقيقيًا جدًا لمن ينظر من بعيد؛ عالم مليء بالتريندات، السهرات، الوجوه المثالية، الضحكات المصطنعة، والرفقة التي تبدو “كول” ومتحررة.
ريما لم تكن تشبه ذلك العالم، لكن شيئًا بداخلها أراد أن ينتمي.
في البداية، كانت مجرد محاولات بسيطة لتشعر أنها ليست مختلفة. طريقة لباس جديدة، جلسات جديدة، أشخاص جدد، كلام جديد ثم شيئًا فشيئًا بدأت تتنازل عن أجزاء صغيرة من نفسها فقط لتبقى مقبولة بينهم.
وهكذا يبدأ السقوط غالبًا
ليس بخطوة كبيرة، بل بتنازلات صغيرة لا نشعر بها.
في إحدى الجلسات، ووسط ضحكات عالية وكلمات من نوع “لا تكبري الموضوع” و”كل الناس بتجرب”، وجدت ريما نفسها أمام أول تجربة مع الحشيش.
كانت خائفة.
قالوا لها إنه شيء عادي.
قالوا إنه مجرد استرخاء.
قالوا إن التجربة مرة واحدة لن تؤذي أحدًا.
لكنهم لم يقولوا لها إن بعض الأبواب، بمجرد فتحها، يصبح إغلاقها أصعب مما نتخيل.
دخلت ريما ذلك العالم دون أن تدرك أنها لم تعد تمسك بزمام الأمور.
في البداية أقنعت نفسها أنها تستطيع التوقف متى شاءت.
ثم أصبحت تحتاجه للهروب من التوتر.
ثم صار وسيلتها الوحيدة للهروب من نفسها.
كانت كل يوم تستيقظ وهي تقول: “اليوم سأتوقف.”
وكل ليلة تسقط من جديد.
لكن الإدمان لم يكن الشيء الوحيد الذي حطمها.
الخوف كان أشد.
خافت من أهلها.
خافت من نظرتهم.
خافت من المجتمع.
في مجتمعنا، عندما يخطئ الشاب قد يجد ألف عذر.
أما حين تخطئ فتاة، فكثيرون لا يرون الخطأ فقط، بل يحكمون على حياتها كلها.
كانت تعرف ذلك.
كانت تعرف أن كلمة واحدة قد تجعلها مادة لأحاديث الناس.
أن قصتها قد تتحول إلى “علكة” بين الألسن.
أن البعض لن يسأل: “كيف نساعدها؟”
بل سيسأل: “كيف وصلت لهون؟”
وهذا الخوف قتل فيها طلب النجدة.
بدل أن تواجه غلطتها وتطلب المساعدة، غرقت أكثر.
والمخدرات لا تأتي وحدها.
هي لا تسرق العقل فقط، بل تفتح أبوابًا أخرى أشد ظلامًا.
وجدت ريما نفسها وسط عالم لا يشبهها إطلاقًا. عالم فيه استغلال، كذب، علاقات سامة، وانحدار أخلاقي مرعب. عالم فيه من الانكسار والضياع ما لم تتخيله يومًا.
كلما حاولت الخروج، شعرت أن القيود تشتد أكثر.
بدأت تخاف من شيء آخر
ماذا لو لم تعد الضحية الوحيدة؟
ماذا لو أصبحت سببًا في جرّ شخص آخر لهذا الطريق؟
ماذا لو نقلت وجعها وألمها لشخص آخر دون أن تشعر؟
ماذا لو كانت سببًا في كسر بنت أخرى بريئة مثلها؟
وما هزّها أكثر.. أنها بدأت ترى فتيات أصغر منها سنًا يقتربن من الطريق نفسه، بالبراءة ذاتها والثقة ذاتها التي دخلت بها يومًا. عندها شعرت برعب حقيقي؛ لم تكن تريد لأي فتاة أن تعيش الوجع الذي عاشته، ولا أن تسقط في الهوة نفسها.
هنا حصل التحول الحقيقي.
لأول مرة منذ زمن طويل، نظرت ريما إلى نفسها بصدق.
رأت فتاة مرهقة.. لكنها لم تمت بعد.
رأت إنسانة أخطأت.. لكنها ليست النهاية.
رأت أن أسوأ ما فعلته المخدرات بها ليس الإدمان.. بل أنها أقنعتها أنها انتهت.
وفي تلك اللحظة قررت شيئًا مصيريًا:
لن أموت وأنا أهرب.
سأقاتل لأستعيد نفسي.
طلب المساعدة لم يكن سهلًا.
كان أصعب اعتراف في حياتها.
بكت. انهارت. اعترفت. واجهت خوفها. واجهت ألمها. واجهت نظرات الناس التي لطالما أرعبتها.
لكنها اكتشفت شيئًا مهمًا جدًا…
الشفاء يبدأ عندما نتوقف عن الهرب.
طريق التعافي كان طويلًا ومؤلمًا.
لم يكن مستقيمًا دائمًا.
كانت هناك انتكاسات، دموع، لحظات ضعف، وصراع داخلي مرير.
لكن في كل مرة كانت تتذكر شيئًا واحدًا:
هي لا تحارب فقط لتنجو بل لتحيا.
ومع الوقت، استعادت نفسها.
بدأ عقلها يصفو.
بدأ قلبها يهدأ.
بدأت ترى الحياة كما هي، لا كما كانت تبيعها لها المخدرات.
اليوم بعد الشفاء، تكتب ريما قصتها لا لتطلب شفقة أحد، بل لتنقذ من تستطيع إنقاذه.
تقول لكل شاب وفتاة: المخدرات ليست مجرد “تجربة”، هي ليست “مزحة”.
وليست “هروبًا مؤقتًا”، إنها آفة خطيرة.
لا تسرق تركيزك فقط.
لا تشل تفكيرك فقط.
بل قد تجرّك إلى أماكن مظلمة جدًا، أماكن قد تشعر فيها أنك فقدت نفسك بالكامل.
وتقول للمجتمع أيضًا:
توقفوا عن الحكم القاسي.
ليس كل من تورط بالمخدرات شخصًا فاسدًا.
أحيانًا يكون إنسانًا مكسورًا، خائفًا، ضائعًا، ويحتاج يدًا تمتد نحوه بدل إصبع يدينه.
التشهير لا يعالج.
الإهانة لا تنقذ.
القسوة لا تشفي.
الدعم هو ما يصنع الفرق.
وتقول للأهل:
كونوا الأمان الأول لأبنائكم.
دعوا أبناءكم يعرفون أن الخطأ، مهما كان كبيرًا، يمكن إصلاحه.
اجعلوهم يشعرون أن بابكم لن يُغلق في وجوههم عندما يسقطون.
لأن الخوف من العقاب أحيانًا يدفع الأبناء نحو الهاوية أكثر من الخطأ نفسه.
كما أن للدولة دورًا أساسيًا في مكافحة هذه الآفة، عبر تشديد الرقابة، محاربة شبكات الترويج، ودعم برامج العلاج والتأهيل. فمحاربة المخدرات لا تكون فقط بالملاحقة الأمنية، بل أيضًا ببناء وعي مجتمعي حقيقي.
اليوم توجد ميديا، ومنصات، ومساحات توعية أكبر من أي وقت مضى.
علينا أن نستخدمها لننشر الوعي لا الأحكام، الفهم لا الوصمة، والنجاة لا الخوف.
أنهت ريما قصتها بجملة كتبتها بيد ثابتة بعد سنوات من الألم:
“لو كنتُ وجدتُ من يقول لي: أخطأتِ، لكنكِ لستِ النهاية، لما تأخرتُ كل هذا الوقت في طلب النجدة.”
وربما هذه هي الرسالة الأهم، أن نعلّم كل فتاة، وكل شاب، أن السقوط ليس النهاية لكن الصمت قد يكون كذلك.