بقلم أمين التحرير: فراس اليحيى
يطرح مسار اندماج قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية، سؤالا محورياً أبعد من التشكيلات الأمنية والعسكرية المباشرة، ليرتبط بمستقبل الدولة، وشكلها السياسي والإداري بعد سنوات من الحرب والانقسام.
فاستكمال هذا المسار، وحلّ الهياكل العسكرية والإدارية الموازية، يمثلان اختباراً لقدرة سوريا على الانتقال من واقع تعدّد مراكز النفوذ، إلى دولة واحدة تمتلك مؤسساتها سلطة موحدة على كامل أراضيها.
ولا تقتصر أهمية الخطوة على إنهاء تشكيلات عسكرية تعمل خارج مؤسسات الدولة، بل تمتدّ إلى إعادة بناء العلاقة بين شمال شرق سوريا وبقية الجغرافيا السورية. فعودة الوزارات والمديريات والمؤسسات الحكومية إلى ممارسة دورها في المنطقة، تعني عملياً، استعادة وحدة القرار الإداري، والاقتصادي، والخدمي، وفتح الطريق أمام إعادة ربطها بالمؤسسات الوطنية.
غير أن نجاح هذا المسار، لا يقاس فقط بعدد المؤسسات التي ستدمج، أو التشكيلات التي ستحلّ، بل بقدرة الدولة على تحويل الاندماج، من إجراء إداري، إلى عقد وطني جديد يشعر فيه جميع السوريين بأن الدولة تمثّلهم وتحمي حقوقهم، لا أنها مجرد سلطة تفرض حضورها.
وتبرز هنا قضية الحقوق الثقافية واللغوية للسوريين الكرد، بوصفها عنصراً أساسياً في نجاح إنهاء ملف قسد، فالحفاظ على التنوع السوري لا يتعارض مع وحدة الدولة، كما أن توحيد مؤسساتها، لا يعني إلغاء الخصوصيات الثقافية للمكونات، وعلى العكس، فإن بناء دولة موحدة قادرة على حماية التنوع، قد يكون أكثر استقراراً من أية صيغة تقوم على الفصل الإداري أو العسكري.
كما أن انتقال شخصيات ارتبطت سابقاً بهذه الهياكل، إلى مؤسسات الجمهورية، يحمل دلالة سياسية مهمة. إذ إن المشاركة من داخل مؤسسات الدولة، تفتح الباب أمام تحويل الخلاف من صراع على النفوذ، إلى تنافس ومشاركة ضمن الأطر السياسية الوطنية.
وعلى المستوى الأمني، يمثّل إنهاء وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، خطوة بالغة الأهمية،فسلسلة القيادة العسكرية والأمنية الوطنية الواحدة، تعني أن حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، وحماية المواطنين، تصبح مسؤولية مؤسسات الدولة، بعيداً عن تعدّد القوى والمرجعيات.
في حين لن يكون طريق الاندماج الكامل خالياً من التحديات، فقد أفضت سنوات طويلة من بناء المؤسسات والهياكل الموازية، إلى واقع إداري وأمني واجتماعي معقّد، ما يجعل من غير الواقعي انتظار تفكيكه بقرار واحد، فالاندماج الحقيقي يحتاج إلى مراحل واضحة، وضمانات سياسية، وترتيبات إدارية وأمنية دقيقة.
ولا يخفى على أحد أن التجربة السورية أظهرت أن الانقسامات التي تبدأ أمنية أو سياسية، يمكن أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى واقع اجتماعي وإداري يصعب تفكيكه، ومن ثم، فإن إنهاء الهياكل الموازية عبر الحوار والاندماج، لا عبر الإقصاء قد يشكّل نموذجاً أكثر استدامة لاستعادة وحدة الدولة.
#صحيفة_الفداء