كان مساء لا أنساه أبدا . .عندما عدت من عملي كنت متعبا مكتئبا ، لذلك قررت الانفراد بنفسي ، أغلقت باب غرفتي واستلقيت على سريي . .
شريط ذكريات الماضي يمر بخاطري دائما ، رغم أني أسدلت الستائر على مسرحيتي منذ زمن.
الهاتف يرن . . بدأ القلق برأسي المتعب .رقم لا أعرفه إنه من خارج الوطن . . !!
عاودني صوت الهاتف ثانية ، صوت ناعم أشعر أنه قريب مني . .
– من . . !من المتصل!! . .
– بابا أنا نجوى . .أنت بابا أحمد . . !!
– نجوى ابنتي . . يا للمفاجأة . . ، نعم أنا أحمد والدك.
حدقت في الهاتف . . أعدت قراءة الأرقام ، كاد أن يسقط الهاتف من يدي المرتعشة.
تترامى حروف اسمها بين شفاهي . .
– (نجوى).أهلا ، أميرتي الصغيرة.لا زلت حبيبة قلبي ونبضه.
صمت باستغراب.ربما حلم .ربما حقيقة . . !! . . إني في متاهات الحيرة .والضياع واللهفة.
تذكرت أمها.زوجتي المرأة التي أحببتها عندما كنت في الغربة ولم تزل أثيرة لدي
بابا أنا نجوى أنا مشتاقة لرؤيتك.
صوت نجوى هز مشاعري وسيطر على كل حواسي . .سقطت في المقعد المجاور . .وضعت رأسي بين كفي يا إلهي ابنتي تتذكرني.
حلقت في عالم لايوجد له مثيل . . طرت على أجنحة سعادة لامدى لها . .لقد تزوجت بامرأة ليست من وطني فرفضت العودة معي إلى بلدي بعد أن أنهيت دراستي . .
قلتلهاالابداد من عودتي إلى بلدي ، أنا موفد وانتهت مدة إيفادي ، وألححت عليها كثيرا لكنها أصرت بالرفض.
ردت علي:أنا لم أتحمل قساوة أيامي معك ، حتى صار لافرق عندي بين الفرح والحزن ، والدمع والابتسام . .فالمشاعر تساوت لدي ، أنا لا أحب الغربة المسافة تمتد ، والغربة تطول ويطرق الحزن بابي عندما أقيس المسافة فأراها بعيدة جدا سأبقى مع ابنتي في بلدي وهذا حقي الطبيعي.
اقتربت منها ، حاولت إرضاءها كثيرا لكن دون جدوى . .
أمسكت شهادة الدكتوراه بيد ومن اليد الأخرى أفلتت مني وتوارت مع نجوى الحبيبة.
وفي الطائرة ، لم أشعر بوجودي ولابذاتي تسمرت على كرسي الطائرة ولم أعد أرى شيئا رغم الفضاء الذي أراه أمامي . .أشعر أني مخنوق بالكآبة وألم حاد في صدري لأن نبرات صوتها تسكن آذاني بالرفض العنيد.
الهاتف عاود اتصاله
– بابا أنا (نجوى)تركتني خلف مسافات بعيدة جدا عنك لماذا ابتعدت كثيرا
– بابا حبيبتي لقد بحثت عنك طويلا ، وأرسل لكم رسائل باستمرار لم أتلق ردا وانقطع كل شيء بيننا.
تعالي نجوى إلي أتمنى أن أضمك لصدري وأرقد ملء جفوني ، في هذه اللحظة التي أحيا بها تفجر غضبي في محرقة سنوات عشتها ، بقلق دائم على ابنتي ، خرجت من منزلي هائما على وجهي في الشوارع ، أخبر أهلي . .أصدقائي . .وأقربائي . .مبشرا فرحا أنا وجدت ابنتي (نجوى)وسوف ألتقي بها . .
بعد عودتي من الغربة كنت أتردد لبيت عمي ، ترحب بي ابنة عمي(سلمى) . .
(سلمى)الصبية الجميلة التي أحبتني بصمت أعواما كثيرة كانت كلما نظرت إلي أرى بعينيها نهرا حب وشوق . .
انتظرتني حتى عدت من إيفادي ، ولم تتزوج رغم أني لم أفكر بها من قبل.
تزوجتها.وكانت حبيبة ورفيقة درب ، لقد عرفت معها الطريق الوحيد لضياعي والعطاء الإنساني الرائع في حياتي ، قالت لي ويديها تعانق يدي بلهفة:غفرت لك تجاهلي طيلة أعوام مضت وسوف أمضي معك وفية مخلصة حتى نهاية العمر.ونطوي صفحة مضت من عمرنا وننسى كل ما مر معنا في سنوات البعد.
عدت لمنزلي .وأنا أعاني من صراع يطوقني أشعر أن جسدي ليس مني ، ورأسي يكاد ينفجر لن أفكر إلا بابنتي نجوى الغالية في بلاد الغربة.
اتصلت بها:
– نجوى . .حبيبة قلبي.اشتقت إليك كثيرا.ولهمسات صوتك الناعم ، سوف أتصل بك دائما وأتحدث معك
– بابا أريد أن أراك قبل غروب الشمس أتمنى أن أرى وجهك حبيبي بابا.
– نجوى لن أبتعتد عنك أبدا سوف نتحدث دائما ، صوتك يحمل لي أجمل الكلمات . .في لغة أثملت روحي . .نلتقي عن قريب.
لا تزال في الذاكرة صفحة من حياتي ، قد مر عليها سنوات . .آه يا امرأة العذاب المضني لماذا أخفيت رسائلي عن ابنتي . . ؟كل هذه السنوات لكنك مع ذلك ، وفية وحبيبة.
لقد كرست عمرك من أجل نجوى ، لا تزال أمامي صورة وجهك الشاحب عندما ذهبت للمطار لوداعي ، كانت نظرتك وأنت تضمين نجوى لصدرك بعطف وحنان.
ابتعدت عنك وسرت في طريقي وأنا مؤمن أننا سنلتقي في يوم ما . .
كانت نجوى بالنسبة لك القارة الظليلة لأمومتك و شعلة حبك الدائم في معبد مهجور.
حبت(نجوى) . .وترعرعت . . وكبرت . .على مروج حنان أمها ، ومدار الزمن يدخلها في صمت دفين
كانت تنظر إليها ولا تجرؤ لتحدثها بشيء عن معاناتها ، لأن الماضي يحسسها بألم عميق ، يسيطر على أعصابها ومن الصعب احتماله من خلال رسائله الكثيرة.
لقد كان قاسيا معها وعليه أن يفهمها وأن يحس بموقفها والسور بينه وبينها مرتفع يقف حاجزا يفصلهما.
كبرت نجوى وبحثت عن والدها على مواقع التواصل الإجتماعي فوجدته.
نجوى ثمرةزواجهما صبية والأمل الباقية منه لها.
ابو